المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول الفقه - سؤال وجواب



أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:02 AM
أصول الفقه

سؤال وجواب

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:02 AM
هل يجوز الأخذ باخف الآراء الفقهية؟

أ.د.على جمعة اسم المفتي

الأخذ بالأخف لغة: الأخذ خلاف العطاء ، وهو أيضًا التناول ، أخذت الشيء آخُذُه أخذًا: تناولته ،والأخف خلاف الأثقل.

واصطلاحا: يقصد به الأخذ باًخف الأقوال حتى يدل الدليل على الأخذ بالأثقل.

ويعتبرالأخذ بالأخف تعبيرا واصطلاحا قريبا من قولهم الأخذ بأقل ما قيل ، وإن لم يكن هو عينه فإن بينهما خلافا؛ وذلك لأن الأخذ بأقل ما قيل يشترط فيه أن يكون المختلفون فى المسألة متفقين على الأقل حتى يقال به ، وهذا لا يشترط فيه هذا .

والقول بالأخذ بأخف القولين من جملة طرق الاستدلال ، و ذهب البعض إلى أنه واجب على المكلف أن ياًخذ بالأخف ، كما عبروا هناك بقولهم: يجب الأخذ بأقل ما قيل ؛ لقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر}[البقرة:85 ] ، وقوله تعالى {وما جعل عليكم فى الدين من حرج}[الحج 78] , واعلم أن الأخذ بالأخف قد يكون بين المذاهب ، وقد يكون بين الاحتمالات المتعارضة أماراتها، وقد يكون بين أقوال الرواة.

والأخذ بالأخف ليس متفقًا على القول به ، فقد ذهب البعض إلى القول بوجوب الأخذ بالأشق ، وهذا الدليل يرجع حاصله إلى أن الأصل فى الملاذ الإذن ، وفى المضار المنع ، والأخف فيهما هو ذلك .
وكما استدل من قال بوجوب الأخذ بالأخف بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على اليسر والتخفيف ، وأن هذه الشريعة مبنية على رفع الحرج عن العباد ، فقد استدل من قال بوجوب الأخذ بالأشق والأثقل من القولين ، بأنه أكثر ثوابا ، فكان المصير إليه واجبا لقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات}البقرة:148.
وهناك فريق ثالت لم يوجب الأخذ بشىء منهما ، وحجته مبنية على أنهما قولان متعارضان فيسقطان ، وأنه لا معنى لهذا الخلاف فى مثل هذا؛ لأن الدين كله يسر ، والشريعة جميعها سمحة سهلة ، والذى يجب الأخذ به ويتعين العمل عليه هو ما صح دليله ، فإن تعارضت الأدلة لم يصلح أن يكون الأخف مما دلت عليه أو الأشق مرجحا ، بل يجب المصير إلى المرجحات المعتبرة عند الأصوليين وعلماء الخلاف .

أ.د/على جمعة محمد

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:03 AM
ما تعريف الاستصحاب ؟ وكيف يكون دليلاً من أدلة التشريع؟


أ.د.على جمعة اسم المفتي

الاستصحاب لغة: طلب المصاحبة، يقال: استصحب الشىء: لازمه ، ويقال استصحبه الشىء: سأله أن يجعله فى صحبته.
واصطلاحا: هو الحكم بثبوت أمر أو نفيه فى الزمان الحاضر أو المستقبل بناء على ثبوته أو عدمه فى الزمان الماضى، لعدم قيام الدليل على تغييره؛وبعبارة أخرى :جعل الحالة السابقة دليلاً على الحالة اللاحقة، أو إبقاء الشىء على حكمه السابق ما لم يغيره مغيرشرعى.
اًمثلة له: الأصل فى البكر بقاء البكارة حتى تثبت الثيوبة بدليل ، والأصل بقاء الملكية للمالك حتى يثبت نقلها بدليل ، والأصل فى الماء الطهارة حتى يثبت عدمها بدليل.
اًنواع الاستصحاب:
وله خمسة أنواع:
1- استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء التى لم يرد دليل على تحريمها،ومعنى هذا أن المقرر عند جمهور الأصوليين ،بعد ورود الشرع: هو أن الأصل فى الأشياء النافعة التى لم يرد فيها من الشرع حكم معين هو الإباحة، كما أن الأصل فى الأشياء الضارة هو الحرمة.
2- استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص أو استصحاب النص إلى أن يرد نسخ.
3- استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه ، وقد عبر عنه ابن القيم باستصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه كالملك ، عند وجود سببه ، وهو العقد أو الوراثة، أو غيرهما من أسباب الملك.
4- استصحاب العدم الأصلى المعلوم بالعقل فى الأحكام الشرعية أى انتفاء الأحكام السمعية فى حقنا قبل ورود الشرع، كالحكم ببراءة الذمة من التكاليف الشرعية حتى يوجد دليل شرعى يدل على التكليف ويسمى هذا بالبراءة الأصلية.
5- استصحاب حكم ثابت بالإجماع فى محل الخلاف بين العلماء مثاله: إجماع الفقهاء على صحة الصلاة عند فقد الماء، فإذا أتم المتيمم الصلاة قبل رؤية الماء صحت الصلاة، وأما إذا رأى الماء فى أثناء الصلاة فهل تبطل الصلاة أم لا؟ قال الشافعى ومالك ، لا تبطل الصلاة لأن الإجماع منعكد على صحتها قبل رؤية الماء، فيستصحب حال الإجماع إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة، وقال أبو حنيفة وأحمد: تبطل الصلاة ولا اعتبار بالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء، فإن الإجماع انعقد فى حالة العدم لا فى حالة الوجود ، ومن أراد إلحاق العدم بالوجود: فعليه البيان والدليل. وللعلماء مذاهب فى القول بحجية الاستصحاب من عدمها موضعها كتب الأصول فلتراجع.
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:03 AM
كيف تقرر كون السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، وتلك غير واجبة؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله. كلمة السنة تطلق ويراد بها عدة معان، فعند الأصوليين: يقصد بالسنة: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.
فهي هنا مصدر من مصادر التشريع أو دليل من الأدلة.
وهنا تقابل بـ(الكتاب) يقال: هذا أمر ثابت بالكتاب والسنة.
ويقصد بالسنة أحيانًا: الأمر المشروع، ومقابلة: البدعة. يقال: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
ويقصد بالسنة عند الفقهاء: أحد الأحكام الشرعية الخمسة: الفرض، السنة، والحرام، والمكروه، والمباح. وقد يعبر بكلمة (المندوب) أو (المستحب) بدل كلمة (السنة)
ويبدو أن السائل يريد أن يسأل عن الأمور التي تثبت بالسنة النبوية، بدلالة الأحاديث الشريفة: ما يُعَدُّ منها واجبًا؟ وما يُعَدُّ منها غير واجب؟
ولا نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال، إلا إذا عرفنا بماذا أثبت هذه السنة:أبالقول أم بالفعل أم بالتقرير؟
أما الفعل والتقرير، فلا يدلان – بذاتهما – على أكثر من المشروعية، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يفعل محرمًا، ولا يقر باطلاً، وإذا ظهر من الفعل قصد القربة إلى الله تعالى أفاد الاستحباب.
وأما ما ثبت بالقول، فينبغي أن ننظر إلى صيغة القول ودلالتها، سواء كانت أمرًا أم نهيًا، تحفُّهُ قرائن أو لا تحفه.
والذي يتضح لي من استقراء أحكام الفقهاء واستنباطهم –ما عدا الظاهرية- أن الأمر في السنة محمول على الاستحباب، ما لم يقترن بما يدل على الوجوب، كذلك النهي دل على الكراهية، ما يقترن بما يدل على التحريم.
فإذا أخذنا مثلاً قوله عليه الصلاة والسلام: "سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بيمينك، وَكُلْ ممَّا يليك"
نجد أن هذه الأوامر النبوية تدل على الاستحباب، ولكن قوله "وكل بيمينك" دل على الوجوب، ولكن بحديث آخر، وهو "لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" ، فإن نسبة الأكل بالشمال والشرب بالشمال إلى الشيطان: تدل على حرمته، ومقتضاه أن يكون الأكل باليمين، والشرب باليمين.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:05 AM
قاعدة :(الضرورات تبيح المحظورات ) فما هي الحدود لهذه الضرورات التي تجيز المحظورات ؟ .

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

إن الشريعة الإسلامية راعت الضرورات والحاجات والأعذار التي تنزل بالناس فقدرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكامًا استثنائية تناسبها، وفقًا لاتجاهها العام في التيسير على الخلق، ورفع الآصار والأغلال التي كانت عليهم في بعض الشرائع السابقة، كما قال تعالى في الأدعية التي ختمت بها سورة البقرة - وجاء في الصحيح أن الله استجاب لها (ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا). (البقرة: 286).
كما أخبر تعالى عن وصف رسوله في كتب أهل الكتاب بأنه: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف: 157)، وفي ختام آية الصيام: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة: 185)، وبعد آيات المحرمات في النكاح وما يتعلق بها: (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفًا) (النساء: 28)، وفي ختام آية الطهارة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج). (المائدة: 6)
ومن هنا جاءت القاعدة الأساسية الجليلة التي أجمعت عليها كل كتب القواعد الفقهية وهي: "المشقة تجلب التيسير" (الأشباه والنظائر: ص 37 وما بعدها).
وبناء على هذه القاعدة شرعت الرخص والتخفيفات الكثيرة في الفرائض الإسلامية، للمرضى، والمسافرين، وأصحاب الأعذار المختلفة، وجاء في الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" (رواه أحمد).
وتعداد هذه الرخص والتخفيفات في أبواب الطهارة والصيام والحج وغيرها، مما لا يتسع له هذا المجال، وهي على كل حال، ليس موضع مراء وجدال.

ومما يتمم ذلك الاستثناء الذي جاءت به الشريعة في باب المحرمات والممنوعات، نزولاً على حكم الضرورات التي تنزل بالبشر، وتضغط على كواهلهم، ومن ثم تقررت القاعدة الشرعية الشهيرة: "الضرورات تبيح المحظورات" وما يكملها من قواعد متفرعة عليها مثل "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"، "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت، أو عامة". (الأشباه والنظائر: ص 43 - 46).
والأصل في هذا ما جاء في كتاب الله تعالى بعد ذكر الأطعمة المحرمة حيث استثنى حال الضرورة والمخمصة، وذلك في أربعة مواضع من القرآن الكريم، موضعان في السور المكية: الأنعام والنحل، وآخران في السور المدنية: البقرة والمائدة.
وأكتفي هنا بذكر النصين المدنيين باعتبارهما آخر ما نزل :.
يقول تعالى في سورة البقرة: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم). (البقرة: 172 - 173).
فأباح الأكل من طيبات ما رزق الله، وأمر بالشكر عليها، ثم ذكر المحرمات محصورة في تلك الأربع: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به، ثم استثنى حالة الإضرار، فأباح للمضطر ما حرم على غيره، بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد.
وفي سورة المائدة قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق، اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا، فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم). (المائدة: 3).
والآية هنا تقرير وتأكيد لآية البقرة، وإن كان فيها تفصيل لبعض أنواع الميتة من المنخنقة والموقوذة وغيرهما، وقوله في هذه الآية: (غير متجانف لإثم) مثل قوله هناك: (غير باغ ولا عاد) أي إنه يفعل ما يفعل تحت ضغط الضرورة وقهرها، لا رغبة في الإثم، ولا ابتغاء للشهوة، ولا عدوانًا على أحد كما لا يعدو قدر الضرورة.
هذا ما جعل الفقهاء يقيدون الإباحة في أحوال الإضطرار بقدر الضرورة، لا أكثر.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:05 AM
مامعنى الجملة التي تقول (معلوم من الدين بالضرورة )؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

هناك أشياء أطلق عليها علماء أمتنا الكبار اسم " المعلوم من الدين بالضرورة "، ويقصدون بها الأمور التي يستوي في العلم بها الخاص والعام، ولا تحتاج إلى نظر واستدلال عليها، لشيوع المعرفة بها بين أجيال الأمة وثبوتها بالتواتر واليقين التاريخي.
وهذه الأشياء تمثل الركائز أو "الثوابت" التي تجسد إجماع الأمة، ووحدتها الفكرية والشعورية والعملية.
ولهذا لا تخضع للنقاش والحوار أساسًا بين المسلمين، إلا إذا راجعوا أصل الإسلام ذاته.
وأعتقد أن من هذه الأمور: أن اللّه تعالى لم ينزل أحكامه في كتابه، وعلى لسان رسوله، للتبرك بها، أو لقراءتها على الموتى، أو لتعليقها لافتات تزين بها الجدران، وإنما أنزلها لتتبع وتنفذ، وتحكم علاقات الناس، وتضبط مسيرة الحياة وفق أمر اللّه ونهيه، وحكمه وشرعه.
وكان يكفي هذا القدر عند كل من رضي باللّه ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولاً، وبالقرآن منهاجا؛ لأن
يقول أمام حكم اللّه ورسوله: سمعنا وأطعنا، دون حاجة إلى بحث عن دليل جزئي من النصوص المحكمة والقواعد الثابتة.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:06 AM
ما هو تعليقكم على القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة و الأصل في الأفعال التحريم ما لم يرد من القرآن و السنة ما يحرم هذه(الأشياء) أو يبيح هذه (الأفعال)0 ؟



الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

نقول للسائل الكريم هذه قاعدة شرعية معتبرة والجملة الأولى فيها صحيحة وهى (ألأصل فى الأشياء الإباحة ) ولكن الجملة الثانية فيها تحتاج إلى تفصيل وهى (الأصل فى الأفعال التحريم) وصحتها أن الأصل فى العبادات التحريم ما لم يرد دليل بالحرمة
يقول الدكتور القرضاوى
كان أول مبدأ قرره الإسلام: أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحل والإباحة، ولا حرام إلا ما ورد نص صحيح صريح من الشارع بتحريمه، فإذا لم يكن النص صحيحًا - كبعض الأحاديث الضعيفة - أولم يكن صريحًا في الدلالة على الحرمة بقي الأمر على أصل الإباحة.
وقد استدل علماء الإسلام على أن الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة، بآيات القرآن الواضحة من مثل قوله تعالى:
(هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا). (البقرة: 29).
(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه). (الجاثية: 13).
(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنةً). (لقمان: 20).
وما كان الله سبحانه وتعالى ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمن عليه بها، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه. كيف وقد خلقها له، وسخرها له، وأنعم بها عليه؟
وإنما حرم جزئيات منها لسبب وحكمة .
ومن هنا ضاقت دائرة المحرمات في شريعة الإسلام ضيقًا شديدًا، واتسعت دائرة الحلال اتساعًا بالغًا. ذلك أن النصوص الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدًا، وما لم يجئ نص بحله أو حرمته، فهو باق على أصل الإباحة، وفي دائرة العفو الإلهي.
وفي هذا ورد الحديث: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا). وتلا: (وما كان ربك نسيا). مريم: 64. (رواه الحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء وأخرجه البزار وقال: سند صالح).
وعن سلمان الفارسي: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والغراء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم) (رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم). فلم يشأ عليه الصلاة والسلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات، بل أحالهم على قاعدة يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام، ويكفي أن يعرفوا ما حرّم الله، فيكون كل ما عداه حلالاً طيبًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها). (رواه الدارقطني من حديث أبي ثعلبة وحسنه النووي في الأربعين).
وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان، بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة، وهي التي نسميها: (العادات أو المعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد إلا ما حرّمه الشارع وألزم به، وقوله تعالى: (وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم). (الأنعام: 119). عام في الأفعال والأشياء.
وهذا بخلاف العبادات فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي، وفيها جاء الحديث الصحيح: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). (متفق عليه). وذلك حقيقة الدين تتمثل في أمرين: ألا يُعبد إلا الله، وإلا يُعبد إلا بما شرع، فمن ابتدع عبادة من عنده فهي - كائنًا من كان- ضلالة ترد عليه، لأن الشارع وحدة هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يُتقرب بها إليه.
وأما العادات التي يتقرب بها إليه.
وأما العادات أو المعاملات فليس الشارع منشئًا لها، بل الناس هم الذين أنشئوها وتعاملوا بها، والشارع جاء مصححًا لها ومعدلاً ومهذبًا، ومقرًّا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضرر منها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟.
ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله). (الشورى: 21).
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرّمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حَرامًا وحلالاً). (يونس: 59).
وهذه قاعدة عظيمة نافعة، وإذا كان كذلك فنقول:
البيع، والهبة، والإجارة، وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم - كالأكل والشرب واللباس - فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرّمت منها ما فيه فساد وأوجبت مالا بد منه وكرهت مالا ينبغي، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.
وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاءون، ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة - وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروهًا - وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي). (القواعد النورانية الفقهية تأليف ابن تيمية ص 112، 113 وعلى أساس هذه القواعد قرر ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وعامة فقهاء الحنابلة: أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، فكل عقد لم يرد نص بتحريمه بخصوصه، ولم يشتمل على محرم فهو حلال).
ومما يدل على هذا الأصل المذكور ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن).
فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا منهي عنه، وأنهم في حل من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع، وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم، تقررت هذه القاعدة الجليلة، ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.

م/ هيمن
5th March 2006, 08:07 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله كل خير على هذا المجهود الغير عادى

جعله الله فى ميزان حسناتك

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:08 AM
هل من الممكن أن يدخل الاجتهاد مجال أصول الفقه؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

على الرغم مما شاع لدى كثير من الدارسين أن أصول الفقه قطعية، وأن الأصول إذا لم تكن قطعية ودخلها الاجتهاد كغيرها، لم يعد لنا معيار نحتكم إليه إذا اختلفنا في الفروع!.
ومنذ سنوات ثارت هذه القضية على صفحات العدد الافتتاحي من مجلة (المسلم المعاصر) حيث تبنت المجلة الدعوة إلى اجتهاد معاصر قوي يعتمد على أصول الإسلام، ولا يغفل حاجات العصر، ولم تقصر دعوتها على الاجتهاد في الفقه، بل شملت الاجتهاد في أصوله.
واعترض بعض الباحثين المعاصرين على هذه الدعوى بأن أصول الفقه قطعية، فكيف نجتهد فيها؟.
وكان لي شرف المشاركة في تجلية هذه القضية في العدد التالي مجلة (المسلم المعاصر) مقالة (نظرات في العدد الأول) للمؤلف)، وكان مما قلته فيها: لا ريب أن الشاطبي - رحمه الله - بذل جهده لإثبات أن الأصول قطعية، ولكن ما المراد بالأصول هنا؟ يحسن بنا أن ننقل من تعليق العلامة الشيخ عبد الله دراز على (الموافقات) ما يوضح المقام حيث يقول:
تطلق الأصول على الكليات المنصوصة في الكتاب والسنة: مثل (لا ضرر ولا ضرار) الحديث، (ولا تزر وازرة وزر أخري) (سورة فاطر: 18)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (سورة الحج: 78)، (إنما الأعمال بالنيات) الحديث. وهكذا. وهذه تسمى أدلة أيضًا كالكتاب والسنة والإجماع... إلخ وهي قطعية بلا نزاع.
وتطلق أيضًا على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنة، التي توزن بها الأدلة الجزئية عند استنباط الأحكام الشرعية منها، وهذه القوانين هي من الأصول. فمنها ما هو قطعي باتفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنية والقطعية.
فالقاضي: (أبو بكر الباقلاني) ومن وافقه على أن من هذه المسائل الأصولية ما هو ظني، والشاطبي قد عارض هذا بأدلة ذكرها، مقررًا في النهاية أن ما كان ظنيًا يطرح من علم الأصول، فيكون ذكره تبعيًا لا غير. (انظر الموافقات جـ، حاشية ص29 ط التجارية).
والذي يطالع علم أصول الفقه يتبين له أن رأي القاضي ومن وافقه هو الراجح، وذلك لما يرى من الخلاف المنتشر في كثير من مسائل الأصول. فهناك من الأدلة ما هو مختلف فيه بين مثبت بإطلاق، وناف بإطلاق، وقائل بالتفصيل. مثل اختلافهم في المصالح المرسلة، والاستحسان، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستصحاب وغيرها مما هو معلوم لكل دارس للأصول.
والقياس وهو من الأدلة الأربعة الأساسية لدى المذاهب المتبوعة، فيه نزاع وكلام طويل الذيول من الظاهرية وغيرهم.
حتى الإجماع لا يخلو من كلام حول إمكانه ووقوعه، والعلم به، وحجيته.
هذا إلى أن القواعد والقوانين التي وضعها أئمة هذا العلم، لضبط الفهم، والاستنباط من المصدرين الأساسيين القطعيين: (الكتاب والسنة)، لم تسلم من الخلاف وتعارض وجهات النظر، كما يتضح ذلك في مسائل العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ... وغيرها. فضلاً عما تختص به السنة من خلاف حول ثبوت الآحاد منها، وشروط الاحتجاج بها، سواء كانت شروطًا في السند أم في المتن، وغير ذلك مما يتعلق بقبول الحديث، واختلاف المذاهب في ذلك أمر معلوم مشهور، نلمس أثره بوضوح في علم أصول الحديث كما نلمسه في علم أصول الفقه.
وإذا كان مثل هذا الخلاف واقعًا في أصول الفقه، فلا نستطيع أن نوافق الإمام الشاطبي على اعتبار كل مسائل الأصول قطعية. فالقطعي لا يسع مثل هذا الاختلاف ولا يحتمله، من ثم ألف العلامة الشوكاني كتابه الذي سماه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) محاولاً فيه تمحيص الخلاف، وتصحيح الصحيح، ونبذ الضعيف، وقال في مقدمته:
(إن علم أصول الفقه لما كان هو العلم الذي يأوي إليه الأعلام، والملجأ الذي يلجأ إليه عند تحرير المسائل، وتقرير الدلائل، في غالب الأحكام، وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة تؤخذ مسلمة عند كثير من الناظرين، كما تراه في مباحث الباحثين، وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد بكلمة من كلام أهل الأصول، أذعن له المنازعون، وإن كانوا من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن قواعد مؤسسة على الحق الحقيق بالقبول، مربوطة بأدلة علمية (أي يقينية) من المعقول والمنقول، تقصر عن القدح في شيء منها أيدي الفحول، وإن تبالغت في الطول وبهذه الوسيلة صار كثير من أهل العلم واقعًا في الرأي رافعًا له أعظم راية، وهو يظن أنه لم يعمل بغير علم الرواية حملني ذلك - بعد سؤال جماعة لي من أهل العلم - على التصنيف في هذا العلم الشريف، قاصدًا به إيضاح راجحه من مرجوحه، وبيان سقيمه من صحيحه، موضحًا لما يصلح منه للرد إليه، وما لا يصلح للتعويل عليه. ليكون العالم على بصيرة في علمه يتضح له بها الصواب، ولا بيني وبينه وبين درك الحق الحقيق بالقبول حجاب؛ لأن تحرير ما هو الحق هو غاية الطلبات، ونهاية الرغبات، لا سيما في مثل هذا الفن الذي رجع كثير من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون، ووقع غالب المتمسكين بالأدلة بسببه في الرأي البحت وهم لا يعلمون). أ. هـ (انظر إرشاد الفحول ص2، 3 ط. السعادة).
وبهذا كله يتضح أن للاجتهاد في أصول الفقه مجالاً رحبًا، هو مجال التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون من قضايا جمة، ومحاولة الشوكاني (تحقيق الحق) منها لا يعني أنه لم يدع لمن بعده شيئًا، فالباب لا يزال مفتوحًا لمن وهبه الله المؤهلات لولوجه، ولكل مجتهد نصيب، وقد يتهيأ للمفضول ما لا يتهيأ للفاضل.
الأمر الذي يجب تأكيده بقوة هو أن ما ثبت بدليل قطعي لا يجوز أن ندع للمتلاعبين أن يجترئوا على اقتحام حماه. فإن هذه (القطعيات) هي عماد الوحدة الاعتقادية والفكرية والعملية للأمة. وهي لها بمثابة الرواسي للأرض، تمنعها أن تميد وتضطرب. ولا يجوز لنا التساهل مع قوم من الأدعياء، يريدون أن يحولوا القطعيات إلى محتملات، والمحكمات إلى متشابهات، ويجعلوا الدين كله عجينة لينة في أيديهم يشكلونها كيف شاءت لهم أهواؤهم، ووسوست إليهم شياطينهم.
ولقد بلغ التلاعب بهؤلاء إلى حد أنهم اجترؤا على الأحكام الثابتة بصريح القرآن، مثل توريث الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، فهم يريدون أن (يجتهدوا) في التسوية بين الذكر والأنثي! بدعوى أن التفاوت كان في زمن لم تكن المرأة فيه تعمل مثل الرجل، وجهل هؤلاء أو تجاهلوا أن المرأة.وإن عملت وخرجت من مملكتها وزاحمت الرجال بالمناكب - تظل في كفالة الرجل ونفقته: ابنة وأختًا وزوجة وأمًا، غنية كانت أو فقيرة، وأن أعباءها المالية دون أعبائه، فهو يتزوج فيدفع مهرًا، ويتحمل نفقة، وهي تتزوج فتأخذ مهرًا، وينفق عليها، ولو كانت من ذوات الثراء.
وبلغ التلاعب ببعضهم أن قالوا: إن الخنازير التي حرمها القرآن وجعل لحمها رجسًا، كانت خنازير سيئة التغذية، أما خنازير اليوم فتربى تحت إشراف لم تنله الخنازير القديمة.
وهكذا يريد هؤلاء لشرع الله أن يتبع أهواء الناس، لا أن تخضع أهواء الناس لشرع الله.
(ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) (سورة المؤمنون: 71).
إننا نقول لهؤلاء الذي عبدوا أنفسهم لفكرة التطور المطلق ويطالبون الإسلام أن يتطور! نقول لهم: لماذا تطالبون الإسلام أن يتطور، ولا تطالبون التطور أن يسلم؟ ! والإسلام إنما شرعه الله ليَحكم لا ليُحكم، وليقود لا ليُقاد، فكيف تجعلون الحاكم محكومًا، والمتبوع تابعًا؟!
(أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) (سورة المائدة: 50).

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:09 AM
إذا كان الاختلاف في الفروع وبعض الأصول ضرورة ورحمة وسعة وثروة ـ فما معنى ذم الاختلاف الذي ورد في النصوص الشرعية؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الاختلاف المذموم هو:

1. ما كان سببه البغي واتّباع الهوى، وهو الذي ذم الله به اليهود والنصارى من أهل الكتاب وغيرهم، الذين دفعهم حب الدنيا، وحب الذات إلى الاختلاف رغم قيام الحجة ووضوح المحجة، قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين آوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم) (البقرة: 213).

وقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم) (آل عمران: 19).

وقال: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين، وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (الجاثية: 16-17).

2. الاختلاف الذي يؤدي إلى تفرق الكلمة وتعادي الأمة، وتنازع الطوائف، ويلبسها شيعًا، ويذيق بعضها بأس بعض.

وهو ما حذر منه القرآن الكريم، والسنة المطهرة، أشد التحذير.

يقول القرآن بعد الأمر بتقوى الله حق تقاته، والثبات على الإسلام إلى الممات: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا) (آل عمران: 103).

وفي هذا السياق نفسه يحذر من التفرق كما تفرق الذين من قبلنا، فيصيبنا ما أصابهم: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ؛وأولئك لهم عذاب عظيم) (آل عمران: 105).

وفي موقف آخر يقول: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا، إن الله مع الصابرين) (الأنفال: 46).

ويذم المشركين والمحرفين من أهل الكتاب الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا فيقول: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم من شيء) (الأنعام: 159).

ويقول في سورة أخرى: (فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون) (الروم: 30-32).

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:09 AM
كيف تتكون لدى طالب العلم الملكة الفقهية؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

أول شيء على طالب العلم أن يحاول استجماع الشروط التي لا بد منها ليمارس الإنسان الفقه مثل: حفظ القرآن الكريم، أو على الأقل القدرة على استحضار الآيات المتعلقة بالأحكام منه بسهولة

الشيء الثاني: الاطلاع على السنة النبوية، وخصوصًا ما يتعلق بالأحكام منها، وقد جُمعت أحاديث الأحكام في كتب مثل: منتقى الأخبار للجد ابن تيمية -الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار-، وعمدة الأحكام للمقدسيّ -الذي شرحه ابن دقيق العيد في كتاب الأحكام، ولو توسع قليلاً سيجد هناك كتبًا أخرى .

ولا بد أن يعرف الصحيح من الضعيف؛ لأنه من المتفق عليه أن الحديث الضعيف لا يُقبل في الأحكام؛ وهذا يجعله لا بد أن يتمرس بمراجعة كتب التخريج مثل: نَصْب الراية إلى آخره؛ المهم أن يطلع على أحاديث السنة، وما يتعلق بأحاديث الأحكام منها خاصة.

الأمر الثالث: معرفة اللغة العربية، والتمكن منها حتى يعرف دلالات الألفاظ والعبارات والجمل، ويعرف الحقيقة من المجاز، والمنطوق من المفهوم، والعام من الخاص، والمطلق من المقيد إلى آخره

الأمر الرابع: دراسة أصول الفقه، ومعرفة مقاصد الشريعة، ومعرفة القواعد الفقهية وهذا أمر مهم، حيث يعرف القياس وشروط القياس، والعلة وشروط العلة إلى آخره

الأمر الخامس: ممارسة الفقه نفسه، أن يعيش مع الفقه ويطّلع على الفقه.. الفقه المذهبي، والفقه العام، والفقه المقارن، وعلى الأقل يطلع على أحد المذاهب، ويطوف بأبواب الفقه كلها ثم يقرأ في كتب الفقه المقارن أو الفقه العام مثل: "بداية المجتهد" لابن رشد، "المحلى" لابن حزم، "المغني" لابن قدامة، و"المجموع" للنووي، "الاستذكار" لابن عبد البر… إلى آخره.
وليس من الضروري أن يقرأ هذه الكتب من ألفها إلى يائها، وإنما الضروري أن يعرف كيف يرجع إلى ما يريده منها عند اللزوم، يطالع فيها كثيرًا؛ حتى يتمرسها ويعرف مواضع الإجماع من مواضع الخلاف، ويعرف أسباب اختلاف الفقهاء وتعدد المذاهب، وأصول كل مذهب، ولماذا اختلف الأئمة بعضهم مع بعض في المسألة الواحدة، هذا أمر لا بد أن يعايشه ويمارسه مدة من الزمن، قد تقصر أو تطول بالنسبة لشخص أو آخر حتى تتكون عنده الملكة الفقهية المطلوبة.
ويحسن به أن يتتلمذ مباشرة على بعض الفقهاء؛ ليأخذ عنهم ويتلقى منهم العلم مصاحبًة ومشافهة؛ فالعلم لا بد أن يؤخذ من أهله، فإن لم يتمكن من ذلك فعلى الأقل يتتلمذ على يد بعض العلماء: قراءة لكتبهم، وسماعًا لأشرطتهم، ومتابعة لأسئلتهم ولأجوبتهم، وفتاواهم حتى يصبح ذلك بمنزلة المعايشة لهم بقدر الإمكان.

والله الموفق

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:10 AM
ما معنى أن من خصائص الشرع الإسلامي التيسير ورفع الحرج؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

التيسير ورفع الحرج:

من خصائص التشريع في الإسلام: التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. وهذا التيسير روح يسري في جسم الشريعة كلها، كما تسري العصارة في أغصان الشجرة الحية. وهذا التيسير مبني على رعاية ضعف الإنسان، وكثرة أعبائه، وتعدد مشاغله، وضغط الحياة ومتطلباتها عليه. وشارع هذا الدين رؤوف رحيم، لا يريد بعباده عنتًا ولا رهقًا، إنما يريد لهم الخير والسعادة وصلاح الحال والمآل. في المعاش والمعاد.

كما أن هذا الدين لم يجئ لطبقة خاصة، أو لإقليم محدود، أو لعصر معين، بل جاء عامًا لكل الناس، في كل الأرض، وفي كل الأزمان والأجيال، وإن نظاما يتسم بهذا التعميم وهذه السعة، لا بد أن يتجه إلى التيسير والتخفيف، ليتسع لكل الناس، وإن اختلف بهم المكان والزمان والحال.

وهذا ما يحسه ويلمسه كل من عرف هذا الدين.

فالقرآن ميسر للذكر، والعقيدة ميسرة للفهم، كما أن الشريعة ميسرة للتنفيذ والتطبيق. ليس فيها تكليف واحد يتجاوز طاقة المكلفين، كيف وقد أعلن القرآن هذه الحقيقة في أكثر من آية، فقال: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)، (لا تكلف نفس إلا وسعها)، (لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها)، كما علم المؤمنين أن يدعوا ربهم فيقولون:

(ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، وقد ورد في الصحيح: أن الله استجاب لهم.

وقد نفي القرآن كل حرج عن هذه الشريعة، كما نفي عنها العنت والعسر، وأثبت لها التخفيف واليسر. قال تعالى وهو يحدثنا عن رخص الصيام، من الفطر للمريض والمسافر: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

وجاءت الأحاديث النبوية تؤكد هذا الاتجاه القرآني إلى التيسير نقرأ فيها: "بعثت بحنيفية سمحة".

"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".

وقد كانت سمة الرسول المميزة له في كتب أهل الكتاب هي سمة الميسر، ورافع الآصار، والأغلال التي أرهقت أهل الأديان السابقة، كما قال تعالى: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

ومن أدعية القرآن التي علمها للمؤمنين: (ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا).

ولا غرو أن شرع الإسلام الرخص عند وجود أسبابها. وذلك كالترخيص في التيمم لمن خاف التضرر باستعمال الماء لجرح أو لبرد شديد، ونحو ذلك، لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا)، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).

وكذلك الترخيص في الصلاة قاعدًا لمن تضرر الصلاة قائمًا، والصلاة بالإيماء مضطجعًا، أو مستلقيًا لمن تؤذيه الصلاة قاعدًا.

ومثل ذلك الترخيص في الإفطار للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، وكذلك لمن كان مريضًا أو على سفر، ومثله الترخيص للمسافر في القصر والجمع في الصلاة.

وجاء في الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".

وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من شدد على نفسه، وصام في السفر، مع شعوره بشدة المشقة، وحاجته إلى الفطر، فقال في مثله: "ليس من البر الصيام في السفر".

ومن هنا أصبح من القواعد الفقهية الأساسية المقررة لدى المذاهب الإسلامية كافة، هذه القاعدة الجليلة: "المشقة تجلب التيسير". وهي أصل له فروع كثيرة وفيرة في شتى أبواب الفقه. وقد ذكرها العلامة ابن نجيم الحنفي، تفريعًا على هذه القاعدة، أو تأكيدًا لها، لا يتسع المجال هنا لإثباتها، فليرجع إليها من شاء التوسع والتفصيل.

وهناك أشياء متعددة اعتبرتها الشريعة من أسباب التيسير والتخفيف، منها: المرض، والسفر، والإكراه، والخطأ والنسيان، وعموم البلوى، ولكل منها أحكام فصلتها كتب الشريعة.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:10 AM
هل لدى المسلمين في مصادر التشريع الأساسية من الضوابط ومن التشريعات والأخلاقيات والمبادئ التي يمكن أن تكفل علاقات إنسانية راقية في المجتمع الدولي بحيث تغني عن المصادر الموجودة الآن والتي تتصف بالانحياز والظلم للأمم المستضعفة؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

المسلمون لديهم قواعد ومبادئ تؤدي إلى إنسانية راقية ومتعاونة ومتعارفة.
ومن هذه المبادئ والقواعد، المساواة الإنسانية :ـ فالقرآن الكريم يقول (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ولقد رأينا كيف فضل الناس بعضهم بعضاً، وفاضلوا بين الناس بأسباب عرقية أو لونية أو لغوية أو طبقية؛ ولكن الإسلام لم يفرق بين الناس بأي سبب من هذه الأسباب، واعتبر الإنسانية كلها واحدة، أسرة واحدة، اشتركوا في العبودية لله والبنوة لآدم، فأنا أقصد المساواة في أصل التكليف وفي الكرامة الإنسانية، (ولقد كرمنا بني آدم)، وأصل التكليف (يا أيها الناس) خطاب للجميع والنبي صلى الله عليه وسلم قال (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد) فمعناها أنهم اشتركوا في العبودية لرب واحد والبنوة لأب واحد لآدم (كلكم لآدم وآدم من تراب) فهذه هي الأصل الأول والمبدأ الأول الذي يقدمه الإسلام للإنسانية.
هناك مبدأ ثانٍ هو العدالة، عدل الله لجميع عباد الله، العدل في الإسلام ليس للعرب دون العجم، ليس لأهل الشرق دون أهل الغرب، ليس للمسلمين دون غير المسلمين العدل للجميع، القرآن يقول (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فنزلت حوالي 9 آيات في سورة النساء تدافع عن يهودي اتهم ظلماً في جريمة لم يرتكبها، فالعدل الإسلامي لكل الناس.
مبدأ ثالث وهو: السلام لمن يسالم، لا حرب إلا لمن يحارب، حتى أنه من حارب ثم جنح للسلم، كما قال القرآن (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم).
مبدأ رابع هو : الدفاع عن المستضعفين في الأرض (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً، واجعل لنا من لدنك نصيراً).
مبدأ خامس هو : التعاون على البر والتقوى، وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، أن نقف جميعاً في وجه المعتدين والظالمين والجبارين في الأرض، المسلمون يفتحون ذراعهم ويتعاونون مع كل من يقف معهم في هذه الناحية.
هناك مبادئ كثيرة في هذا المجال؛ فالمسلمون أصحاب دعوة عالمية ورسالة عالمية، فالرسالة المحمدية لم تجئ للعرب وحدهم ولا لأهل إقليم دون إقليم، ولا لأهل جيل دون جيل، هذه رسالة عامة خالدة، ليكون للعالمين نذيراً (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:11 AM
ما هي الحاكمية العليا التي لا ينبغي للبشر التدخل فيها؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحق أن فكرة الحاكمية أساء فهمها الكثيرون وأدخلوا في مفهومها ما لم يرده أصحابها فالحاكمية المقصودة هي الحاكمية العليا أي الحاكمية التشريعية التي يجب أن تكون لله وحده وليست لأحد من خلقه ؛ هذه هي الحاكمية العليا والمطلقة التي لا يحدها ولا يقيدها شيء فهي من دلائل وحدانية الألوهية.
وهذه الحاكمية بهذا المعنى لا تنفي أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به الله لهم إنما هي تمنع أن يكون لهم استقلال بالتشريع غير مأذون من الله وذلك مثل التشريع الديني المحض كالتشريع في أمر العبادات بإنشاء عبادات وشعائر من عند أنفسهم أو بالزيادة فيما شرع لهم باتباع الهوى أو بالنقص منه كما أو كيفًا أو بالتحريف والتبديل فيه زمانا أو مكانا أو صورة، ومثل ذلك التشريع في الحلال والحرام؛ كأن يحلوا ما حرم الله، أو يحرموا ما أحل الله، وهو ما اعتبره النبي نوع من الربوبية وفسر به قوله تعالى في شأن أهل الكتاب:.
(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله). (التوبة 31).
وكذلك التشريع فيما يصادم النصوص الصحيحة الصريحة كالقوانين التي تقر المنكرات أو تشيع الفواحش ما ظهر منها وما بطن أو تعطل الفرائض المحتمة أو تلغي العقوبات اللازمة أو تتعدى حدود الله المعلومة.
أما فيما عدا ذلك فمن حق المسلمين أن يشرعوا لأنفسهم وذلك في دائرة ما لا نص فيه أصلاً وهو كثير وهو من المسكوت عنه الذي جاء فيه حديث: (وما سكت عنه فهو عفو) (رواه الحاكم من حديث أبي الدرداء وصححه ووافقه الذهبي) وهو يشمل منطقة فسيحة من حياة الناس.
ومثل ذلك ما نص فيه على المبادئ والقوانين العامة دون الأحكام الجزئية والتفصيلية كما في قضية الشورى ومن ثم يستطيع المسلمون أن يشرعوا لأنفسهم من دينهم في مناطق واسعة من حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية غير مقيدين إلا بمقاصد الشريعة الكلية، وقواعدها العامة وكلها تراعي جلب المصالح ودرء المفاسد ورعاية حاجات الناس أفرادًا وجماعات.
وكثير من القوانين التفصيلية المعاصرة لا تتنافى مع الشريعة في مقاصدها الكلية ولا أحكامها الجزئية لأنها قامت على جلب المنفعة ودفع المضرة ورعاية الأعراف السائدة.
وذلك مثل قوانين المرور أو الملاحة أو الطيران أو العمل والعمال أو الصحة أو الزراعة أو غير ذلك مما يدخل في باب السياسة الشرعية وهو باب واسع .
ومن ذلك تقييد المباحث تقييدًا جزئيًا ومؤقتًا كما منع سيدنا عمر الذبح في بعض الأيام وكما كره لبعض الصحابة الزواج من غير المسلمات حتى لا يقتدي بهم الناس ويكون في ذلك فتنة على المسلمات.
والأستاذ المودودي - وهو أشهر من نادى بالحاكمية وتشدد فيها - وقد جعل للناس متسعًا في التشريع فيما وراء القطعيات والأحكام الثابتة والحدود المقررة وذلك عن طريق تأويل النصوص وتفسيرها وعن طريق القياس وطريق الاستحسان وطريق الاجتهاد.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:12 AM
من هو الفقيه ؟ وما مواصفات الفقيه المعاصر؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

حينما نتحدث عن الفقيه نريد أولاً أن نفرِّق بين الفقيه والداعية أو الفقيه والواعظ، فبعض الناس تختلط عليهم هذه الأمور، فكثير من الناس يظنون أن كل واعظ جيد هو فقيه جيد ؛ولذلك نرى كثيراً من الناس يذهبون إلى الخطباء والوُعَّاظ ويسألونهم في أعوص المسائل الفقهية وبعض الناس قد يكون أستاذاً جيداً في التفسير أو في التصوُّف، أو في الفلسفة، أو في العقيدة ولكن لم يدرس الفقه.

لكن الفقيه في نظر علمائنا الأولين هو المجتهد في علم الشرع، والمجتهد في علم الشرع هذا ليس هيناً، فلابد أن يكون عنده من الثقافات ومن المعارف العلمية ما يؤهله لاستنباط الأحكام من مصادرها ومن أدلتها، والعلماء اعتبروا المقلِّد ليس عالماً وليس فقيهاً ؛ وحينما يقولون: قال الفقهاء كذا فهم يقصدون قال الأئمة المجتهدون، ولذلك ليس كل من حصَّل بعض أحكام الفقه أو قرأ بعض كتب الفقه أو قرأ بعض كتب الحديث يُعَد فقيهاً .
فلابد أن يدرس اللغة العربية بنحوها وصرفها وبلاغتها وألفاظها ودلالاتها اللغوية الحقيقية والمجازية بحيث يتمكن من تذوق كلام العرب ويعرف منه الحقيقة من المجاز والمنطوق من المفهوم، والكناية من التصريح .

ولا بدأن يعرف القرآن الكريم - قالوا : ليس من الضروري أن يكون حافظاً له - وإنما يستطيع أن يستشهد به على كل مسألة، وأن يكون القرآن حاضراً في ذهنه، ودلالات القرآن وناسخ القرآن ومنسوخه ومجملُه ومفسَّرُه ..الخ

ولا بد أيضاً أن يكون عارفاً بالسنة وكتب السنة ومصادر السنة، يعرف الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، لا تدخل عليه الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة فيستشهد بها لأن العلماء قالوا :إن الضعيف لا يُحتَج به في الأحكام، ولكن يستشهد به في الترغيب والترهيب، وفي فضائل الأعمال والرقائق، إنما في الأحكام، وفي الحلال والحرام وفي العبادات وفي المعاملات، فلا يجوز أن يُحتجَّ إلا بحديث صحيح أو حسن .

ولا بد أن يكون عارفاً بالقياس ؛وما هي شروط القياس والأصل والفرع والعِلَّة وشروط هذا كله.
و لابد أن يعرف مواضع الإجماع حتى لا يخرق الإجماع المستيقن ؛ فيجب عليه أن يعرف المُجمَع عليه والمُختَلَف .

وقال الإمام أحمد: وأن يكون عارفاً بالناس .. فمعرفة أحوال الناس، الذي نسميه الآن "فقه الواقع" ؛ ومن ضمن فقه الواقع أن يكون عارفاً بالتيارات الفكرية والثقافية التي تسود الناس في عصره ؛ ومن ذلك أن يكون ملماً بقدر من العلوم الطبيعية والكونية العصرية، فلو كان لا يعرف علم الفلك ولا يدري عنه شيئاً كيف يفتي في قضية الحساب الفلكي والأهلَّة ؛ فلابد أن يكون عنده قدر من العلم والثقافية حتى يعرف الحياة والناس وأهم من هذا كله أن تكون عنده ملكة الفقيه، هذه الملكة القادرة على استنباط الجزئيات من الكليات واستنباط الأحكام من القواعد والمقاصد والنصوص فهكذا ينبغي أن يكون الفقيه الذي يستنبط الأحكام ويفتي الناس في أمور دينهم.

ولابد من شرط العدالة ؛ومعنى العدالةأن يكون الإنسان ملتزماً بأحكام الدين لا يجاهر بكبيرة ولا يُصر على صغيرة ولا يضيع فرائض الله، وهذا لابد منه حتى يقبله الناس، لأن القرآن قال بالنسبة للشاهد (ممن ترضون من الشهداء) ولذلك فلابد أن يكون هذا الفقيه مرضياً من أهل التقوى ومن أهل العدالة لكي يقبله العامة، ولكي لا يبيع دينه بدنياه فضلاً عن أن يبيع دينه بدنيا غيره، من أجل حاكم أو رئيس أو ملك أو أمير ؛ فمن أفتى بما يرضي الناس وإن أسخط الله عز وجل فلا يُقبل في ميزان العلم والعلماء.

والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:13 AM
هل عطل عمر بن الخطاب رضى الله عنه العمل ببعض النصوص وقدم رأيه عليها كما يشاع هذا عنه ؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

إن عمر بن الخطاب ـ كغيره من فقهاء الصحابة ـ كان وَقَّافًا عند نصوص الكتاب والسنة، لا يُقَدِّم عليهما رأيه ولا رأي غيره، ما دام الحكم قد استبان له من النص، لا يقدم عليهما رأيه ولا رأي غيره، ما دام الحكم قد استبان له من النص، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات: 1).
ولهذا كان مما وصف به عمر: أنه كان وَقَّافًا عند كتاب الله (روى ذلك البخاري).

وهذه بدهية تاريخية تَشْهد لها وقائع لا تُحْصَر من سيرة عمر.
(أ) من ذلك: الحادثة الشهيرة التي رَدَّت فيها المرأة عليه وهو يخطب فوق المنبر، محاولاً تحديد المهور، مستشهدًا بمهور بنات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأزواجه، فما كان إلا أن عارضته امرأة في المسجد بقوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء: 20) وما كاد عمر يسمع هذه الآية من المرأة حتى رجع عن رأيه قائلاً كلمته الشهيرة: أصابت المرأة وأخطأ عمر (ذكر الواقعة ابن كثير، وعزاها إلى أبي يعلى في مسنده عن مسروق، وقال: إسناده جيد قوي. كما عزاها إلى ابن المنذر أيضًا "ج 1/467).
هذا مع أن الآية الكريمة ليست نَصًّا صريحًا في القضية، ويمكن أن يُحْمَل ذكر القنطار فيها على المبالغة. فالمبالغة أحيانًا تكون بالتكثير كما هنا، وأحيانًا تكون بالتقليل كما في حديث أبي بكر: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يُؤَدُّونَه لرسول الله لقاتلتهم عليه".
ورغم هذا، عدل عن رأيه في التحديد، لِمَا لاح له من ظاهر الآية.

(ب) روى محمد بن إبراهيم التيمي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: "أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها، وتفلتت منهم أن يَرْوُوها، فاستبقوها بالرأي".
وروى عنه حرقة بن أبي عبد الله أنه قال: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم".
وقد روى هذا المعنى عن عمر من عدة طرق بأسانيد في غاية الصحة، كما قال العلامة ابن القيم (إعلام الموقعين ج 1 ص 55)

(جـ) وعن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: "أيها الناس، اتهموا الرأي في الدين، فلقد رأيتني وأني لأرد أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ برأيي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل، والكتاب يكتب، وقال: اكتبوا: "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال: يَكْتُب: "باسمك اللهم" فرضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأَبَيْتُ. فقال: يا عمر، تراني قد رضيت وتأبى؟! (إعلام الموقعين ج 1 ص 55ـ56).

(د) وروى الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح "القاضي":
"إذا حضر أمر لابد منه، فانظر ما في كتاب الله، فاقْضِ به. فإن لم يكن، ففيما قضى به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن لم يكن فأنت بالخِيَار، فإن شئت أن تجتهد رأيك، فاجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامراني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرًا لك، والسلام.

(هـ) وفي معاملة المجوس، وتحديد علاقة الدولة الإسلامية بهم لم يَدْرِ عمر ما يصنع بهم، وكيف يعاملهم، حتى روى له عبد الرحمن بن عوف، أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ الجزية من مجوس البحرين، فعمل به.

(و) وأراد قسمة مال الكعبة، حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي ـ صلى الله عليه
وسلم ـ لم يفعل ذلك، فأمسك.

(ز) وكان يرد النساء اللواتي حضن "في الحج" ونفرن قبل أن يودعن البيت، حتى أخبر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رخص للحائض في ترك طواف الوداع، فأمسك عن ردهن، اتباعًا لأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم.

(ح) وكان يفاضل بين ديات الأصابع ـ على أساس تفاوتها في المنافع ـ حتى بلغه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المساواة بينها، فترك قوله وأخذ بالمساواة.

(ط) وكان يرى الدية للعصبة فقط، وأن المرأة لا تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زوجها، فلما أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَرِثَ المرأة بالدية، رجع عن قوله.

(ي) وأراد رجْم مجنونة، حتى أُعلم بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: "رفع العلم عن ثلاث.." فأمر ألا ترجم.

(ك) وأنكر على حسان الإنشاد في المسجد، فأخبره هو وأبو هريرة: أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسكت عمر.

(ل) وهم بترك الرَّمَل في الطواف "والرمل: سرعة المشي مع تقارب الخُطَا" ثم ذكر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعله فقال: لا يُحَبُّ لنا تركه" (انظر: الإحكام في أصول الأحكام لان حزم ج 1 ص 144، 145).

هذا هو عمر، وهذه مواقفه أمام النصوص ـ التي لم يصل معظمها إلى مرتبة القطعية ـ اتباع والتزام، ونزول عن رأيه إلى مقتضاها، فكيف يقال: إنه علق نصوصًا قطعية بمجرد رأيه واجتهاده؟!!.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:13 AM
هل من الممكن أن يتجزأ الاجتهاد؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الواقع أن القضية قد اختلفوا فيها. وأول من رأيته أثارها الإمام الغزالي في "المستصفي" فبعد أن فرغ من ذكر الشروط التي لا بد منها للمجتهد قال: "دقيقة في التخفيف يغفل عنها الكثيرون" ثم قال:

"اجتماع هذه العلوم الثمانية - يقصد شروط الاجتهاد - إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصبًا لا يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض. فمن عرف طريق النظر والقياس فله أن يفتي في مسألة قياسية، وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث. فمن ينظر في مسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات، أو في مسألة النكاح بلا ولى، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا؟ ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه، فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [سورة المائدة:6] وقس عليه ما في معناه، وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسألة، فقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري. وكم توقف الشافعي رحمه الله، بل الصحابة في المسائل. فإذا لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي، فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري".

وما قاله الغزالي ذهب إليه جماعة، وعزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين وحكاه صاحب "النكت" عن أبي علي الجبائي، وأبي عبدالله البصري من المعتزلة، قال ابن دقيق العيد: وهو المختار، لأنه قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمآخذ أحكامه، وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد.

وذهب آخرون إلى المنع، لأن المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها في نوع آخر منه، ومال إلى ذلك الشوكاني، لأن من لا يقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل، لا يقتدر عليه في البعض الآخر، وأكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، ويأخذ بعضها بحجز بعض، ولا سيما ما كان من علومه مرجعه إلى ثبوت الملكة، فإنها إذا تمت كان مقتدرا على الاجتهاد في جميع المسائل، وإن احتاج بعضها إلى مزيد بحث. وإن لم تثبت لم يقتدر على شيء من ذلك، ولا يثق من نفسه لتقصيره، ولا يثق به الغير لذلك.

ويؤيد الشوكاني ذلك: بأنهم اتفقوا على أن المجتهد لا يجوز له الحكم بدليل حتى يحصل له غلبة الظن بحصول المقتضى وعدم المانع، وإنما يحصل ذلك للمجتهد المطلق.. وأما غيره فلا يحصل له ذلك.. فإن ادعاه فهو مجازف، وتتضح مجازفته بالبحث معه.

وقال المحقق ابن القيم في "أعلام الموقعين ":

"الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو من باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع من العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.

فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله، وقد بذل جهده في معرفة الصواب: فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع.

وحجة المنع تعلق أبواب الشرع وأحكامه بعضها ببعض، فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه، ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدة وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.

ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، وعدم تعلقها بها، وأيضا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة.

فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين هل له أن يفتي بهما؟

قيل: نعم، يجوز في أصح القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد، وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله، وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرا، ومنع هذا من الإفتاء بما علم خطأ محض، وبالله التوفيق".

وتجزؤ الاجتهاد يشبه ما عرفه عصرنا من أنواع التخصص الدقيق، فمثلا في القانون لا يوجد أستاذ في كل فروع القانون، بل في المدني أو الجنائي أو الإداري أو الدولي مثلا.. وقد يكون أحدهم أستاذا كبيرا يرجع إليه، ويؤخذ برأيه في اختصاصه، وهو شبه عامي في المجالات الأخرى.

وعلى هذا يستطيع أستاذ الاقتصاد المتمكن إذا درس ما يتعلق به في الفقه الإسلامي والمصادر الإسلامية ـ دراسة مستوعبة ـ أن يجتهد في هذا الباب وحده لا يتعداه. ومثل ذلك أستاذ القانون الجنائي، أو الدستوري، أو أستاذ علم الاجتماع، كل في اختصاصه.

وهذا إنما يتم بشرطين:

الأول: أن تكون لديه الأهلية العلمية العامة للفهم والاستنباط، بمعنى أن عنده إلماما مناسبا بمثله بالشروط التي سبق ذكرها بالنسبة للمجتهد المطلق.

الثاني: أن يدرس موضوعه أو مسألته دراسة مستوعبة، بحيث يحيط بها من جميع جوانبها، حتى يتمكن من الاجتهاد فيها.

ولكن العلامة أحمد إبراهيم يرى أن مثل هذا لا ينبغي أن يسمى مجتهدا جزئيا، لأن ملكة الاجتهاد والاستنباط لا تتجزأ، وهي إذا ثبتت لشخص قدر بها على الاستنباط في كل أبواب الشريعة، فهو في الحقيقة محصل للأحكام في هذا الباب وعارف بأصوله وأدلته فقط. وليس هذا هو المراد بالاجتهاد وهذا ميل إلى القول بعدم التجزئ.

ولا شك أن الاجتهاد الحقيقي والكامل هو الاجتهاد المطلق، والمجتهد المطلق هو القادر على النظرة المحيطة المستوعبة التي يعجز عنها المجتهد الجزئي. إن صحت تسميته مجتهدا. والذي يجدد للأمة دينها، كما بشر بذلك الحديث، إنما هو المجتهد بإطلاق، ولكنا لا نرفض ثمرات هذا النوع من الاجتهاد الجزئي، مادام قد قام على أساس علمي ومنهجي مكين. وجل أطروحات الدراسات العليا للماجستير أو الدكتوراه إنما هي لون من هذا الاجتهاد الجزئي، قصد به دراسة موضوع أو قضية معينة، واستيعابها من كل جوانبها. وبيان الحكم فيها. وكثيرا ما تؤدي إلى نتائج علمية لها قيمتها عند أهل الذكر.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:14 AM
كيف يعرف المسلم المصالح والمفاسد أمن العقل أم من الشرع؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

المصالح المرعية: إما مصالح دنيوية، أو مصالح أُخروية، أو مصالح دنيوية وأُخروية معاً. ومثل ذلك المفاسد من غير شك.
وكل منها له طريق إلى معرفته من العقل أو من الشرع أو من كليهما.

وقد فصَّل الإمام عز الدين بن عبد السلام " فيما تُعرف به المصالح والمفاسد وفي تفاوتهما ".
وما أبلغ ما قاله في كتابه الفريد " قواعد الأحكام في مصالح الأنام ":
" ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل، وذلك معظم الشرائع؛ إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة من نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن.
واتفق الحكماء على ذلك. وكذلك الشرائع على تحريم الدماء والأبضاع والأموال والأعراض، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال.
وإن اختُلِف في بعض ذلك، فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي والرجحان، فيتحير العباد عند التساوي ويتوقفون إذا تحيروا في التفاوت والتساوي.
وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت، فإن الطب كالشرع وُضِع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك. فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع، فإن تساوت الرّتب تخيَّر، وإن تفاوتت استعمل الترجيح عند عرفانه، والتوقف عند الجهل به. والذي وضع الشرع هو الذي وضع الطب، فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح العباد ودرء مفاسدهم.
وكما لا يحل الإقدام للتوقف في الرجحان في المصالح الدينية حتى يظهر له الراجح، فكذلك لا يحل للطبيب الإقدام مع التوقف في الرجحان إلى أن يظهر له الراجح، وما يحيد عن ذلك في الغالب إلا جاهل بالصالح والأصلح، والفاسد والأفسد، فإن الطباع مجبولة على ذلك بحيث لا يخرج عنه إلا جاهل غلبت عليه الشقاوة أو أحمق زادت عليه الغباوة. فمن حرَّم ذبح الحيوان من الكفرة، رام ذلك مصلحة للحيوان فحاد عن الصواب؛ لأنه قدم مصلحة حيوان خسيس على مصلحة حيوان نفيس، ولو خلوا عن الجهل والهوى لقدَّموا الأحسن على الأخس، ولدفعوا الأقبح بالتزام القبيح: ( فمن يهدي من أضل الله، وما لهم من ناصرين )؟! (الروم: 29). فمن وفَّقه الله وعصمه أطلعه على دق ذلك وجله، ووفقه للعمل بمقتضى ما أطلعه عليه، فقد فاز، وقليل ما هم. قال ( الشاعر ):

وقد كنا نعُدهمو قليلاً
فقد صاروا أقل من القليل!

وكذلك المجتهدون في الأحكام، من وفَّقه الله وعصمه من الزلل أطلعه الله على الأدلة الراجحة فأصاب الصواب، فأجره على قصده وصوابه، بخلاف من أخطأ الرجحان فإن أجره على قصده واجتهاده، ويُعفى عن خطئه وزلَلِه. وأعظم من ذلك الخطأ فيما يتعلق بالأصول.
واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد، نظراً لهم من رب الأرباب، كما ذكرنا في هذا الكتاب، فلو خيَّرتَ الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لاختار الألذ، ولو خُيِّر بين الحسن والأحسن لاختار الأحسن، ولو خُيِّر بين فلس ودرهم لاختار الدرهم، ولو خُيِّر بين درهم ودينار لاختار الدينار. ولا يُقدِّم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت ".
وأما مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تُعرف إلا بالنقل.
ومصالح الدارين ومفاسدهما في رتب متفاوتة. فمنها ما هو في أعلاها، ومنها ما هو في أدناها، ومنها ما يتوسط بينهما، وهو مقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه.
فكل مأمور به ففيه مصلحة الدارين أو إحداهما، وكل منهي عنه ففيه مفسدة فيهما أو في إحداهما، فما كان من الاكتساب محصلاً لأحسن المصالح فهو أفضل الأعمال، وما كان منهما محصلاً لأقبح المفاسد فهو أرذل الأعمال. فلا سعادة أصلح من العرفان والإيمان وطاعة الرحمن، ولا شقاوة أقبح من الجهل بالديَّان والكفر والفسوق والعصيان.
ويتفاوت ثواب الآخرة بتفاوت المصالح في الأغلب، ويتفاوت عقابها بتفاوت المفاسد في الأغلب، ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها. والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها، فلا نسبة بمصالح الدنيا ومفاسدها إلى مصالح الآخرة ومفاسدها، لأن مصالح الآخرة خلود الجنان ورضا الرحمن، مع النظر إلى وجهه الكريم، فيا له من نعيم مقيم! ومفاسدها خلود النيران وسخط الديَّان مع الحجب عن النظر إلى وجهه الكريم، فيا له من عذاب أليم!
والمصالح ثلاثة أنواع: أحدها مصالح المباحات، الثاني مصالح المندوبات، الثالث مصالح الواجبات.
والمفاسد نوعان: أحدهما مفاسد المكروهات، الثاني مفاسد المحرَّمات.

أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدهما فلا تُعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طُلِب من أدلة الشرع، وهي الكتاب والسُنَّة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح، وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طُلِب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهمافليعرض ذلك على عقله، بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك، إلا ما تعبَّد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته، وبذلك تعرف حسن الأعمال وقبحها، مع أن الله عز وجل، لا يجب عليه جلب مصالح الحسن، ولا درء مفاسد القبيح، كما لا يجب عليه خلق ولا رزق ولا تكليف ولا إثابة ولا عقوبة، وإنما يجلب مصالح الحسن ويدرأ مفاسد القبيح طَوْلاً منه على عباده وتفضلاً.

والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:15 AM
هل من الضروري على الفقيه أن يبين الحكمة من كل تشريع سواء في العبادات أو العادات ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
بيان الحكمة من التشريع، حتى يقتنع به العقل، ويطمئن به القلب لا بأس به، فإن الله تعالى حكيم، لم يشرع شيئًا إلا لحكمة، كما لم يخلق شيئًا إلا لحكمة. وهو كما تنزه عن الباطل في خلقه (ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك) (آل عمران :191) تنزه عن العبث في شرعه، حتى إن القرآن الكريم جعل للعبادات المحضة عللاً وحِكَمًا مفهومة... كما في قوله عن الصلاة : (إنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ) (العنكبوت : 45) وقال في تعليل فرضية الصيام: (لعلكم تتقون) (البقرة: 183) وفي الحج: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ويَذْكُروا اسمَ اللهِ) (الحج: 28) كما قال في الزكاة: (تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103).
وينبغي الاستفادة مما يكتبه الاختصاصيون في هذا العصر، مِمَّا يُفيدنا في بيان حكمة الشرع، واشتماله على أعلى المصالح للبشر، مثل ما يكتبه الأطباء في بيان مضار الخمر وأكل لحم الخنزير، والأمراض الخطيرة التي تنشأ من اقتراف الزنى، والشذوذ الجنسي، ونحو ذلك.
ومثله ما يكتبه الاقتصاديون عن الآثار المدمرة للربا في الحياة الإنسانية..
وما يكتبه النفسيون عن أثر الصلاة والعبادة في تكوين الشخصية السوية القوية المتمتعة بالسكينة والطمأنينة، والتي لا تنهار لأوّل صدمة.
على أنه يجب الحذر والتحذير من التعليلات (القاصرة) التي تفتح بابًا للمتحللين والمنكرين، مثل تعليل تحريم الربا باستغلال حاجة الفقير، وتعليل تحريم الزنى بمنع اختلاط الأنساب، فهذه وما شابهها تعليلات صحيحة، ولكنها قاصرة لا تغطي كل الصور الواقعية.
ففي عصرنا نجد أصحاب الملايين يذهبون إلى البنوك ليَسْتَقْرِضُوا بالربا، فلم يَعُدْ ذلك مقصورًا على مَن يَستدين لمأكله وملبسه.
كما أن هناك من تزني وهي تتناول الحبوب المانعة للحمل، أو تزني بعد سن اليأس، أو تزني وهي حامل، فلا احتمال في هذه الصور لاختلاط الأنساب، لهذا نحذر من هذه التعليلات القاصرة.
ولا يقتصر بيان الحكمة على المعاملات، بل يشمل العبادات، كما أشرنا إلى ذلك.
لهذا كان مما ينبغي العناية به في الفقه الميسر المعاصر: بيان الأسرار الباطنة للعبادات المفروضة، فمما لا ريب فيه أن للعبادات الإسلامية حِكَمًا وأسرارًا ينبغي الالتفات إليها، والاهتمام بإبرازها.
فالعبادة جسم وروح، فجسم العبادة هو الشروط والأركان الظاهرة التي تؤديها الجوارح، أما روحها فهي: التقوى والإخلاص والإحسان الذي فسره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". (متفق عليه: اللؤلؤ والمرجان ـ حديث رقم 5 ـ عن أبي هريرة) وهذه لباب العبادة. أما الرسوم الظاهرية فهي قشرها.
ولهذا قال تعالى في هدايا الحج وذبائحه: (لن يَنالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يَنالُه التَّقْوَى مِنْكُم) (الحج: 37).
وقال في الصلاة : (قد أفلحَ المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون: 1،2)
وقال في الصوم : (كُتِبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلِكم لعلكم تتّقون) (البقرة: 183) وفي الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". (رواه البخاري في كتاب الصوم من صحيحه عن أبي هريرة)
إنَّ عَيْب الفقهاء في كتبهم ـ في الأعم الأغلب ـ أنَّهم وجَّهوا عنايتهم إلى الظاهر، ولم يلتفتوا كثيرًا إلى الباطن، فإذا بحثوا في الصلاة دار بحثهم كله حول توافر الأركان والشروط المتصلة بصورة الصلاة، وظاهر المُصلِّي، أما روح الصلاة ـ وهو الخشوع وحضور القلب ـ فهم بمعزل عنه. وإذا تحدثوا عن ذلك، فلابد أن يكون ذلك بصفة أخرى غير صفة الفقيه.
ولهذا نجد الإمام الغزالي يتحدث عن الجوانب الظاهرة والشكلية التي يعتني بها إخوانه وتلاميذه من أهل الفقه. ثم يقفز قفزة إلى الأمام وإلى أعلى، ليتحدث عن الأسرار والروح. كما نجد ذلك في الربع الأول من (الإحياء)، فهو يتحدث عن الصلاة، وشروطها، ثم يثب وثبة عالية، ليتحدث عن الخشوع والخاشعين.
وكذلك في الزكاة والصيام والحج : يتحدث عن الأسرار الباطنة وراء كل عبادة من هذه العبادات. وهذا ما ينبغي للفقه المعاصر ألا يغفله.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:16 AM
ما حكم الإسلام فى العامة الذين يتجرؤن على الإفتاء بالتحليل والتحريم؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الإسلام حدد السلطة التي تملك التحليل والتحريم فانتزعها من أيدي الخلق، أيا كانت درجتهم في دين الله أو دنيا الناس، وجعلها من حق الرب تعالى وحده. فلا أحبار او رهبان، ولا ملوك أو سلاطين، يملكون أن يحرموا شيئا تحريما مؤبدا على عباد الله. ومن فعل ذلك منهم فقد تجاوز حده واعتدى على حق الربوبية في التشريع للخلق، ومن رضي بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء لله واعتبر اتباعه هذا شركا (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) سورة الشورى:21.

وقد نعى القرآن على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم، فقال تعالى في سورة التوبة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون) سورة التوبة:31.

وقد جاء عدي بن حاتم إلى النبي -وكان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام- فلما سمع من النبي هذه الآية، قال: يا رسول الله! إنهم لم يعبدوهم. فقال: (بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم).

وفي رواية أن النبي عليه السلام قال تفسيرا لهذه الآية: (أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه).

ولا زال النصارى يزعمون أن المسيح أعطى تلامذته -عند صعوده إلى السماء- تفويضا بأن يحللوا ويحرموا كما يشاؤون، كما جاء في إنجيل متى 18:18 (الحق أقول لكم، كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء).
كما نعى على المشركين الذين حرموا وحللوا بغير إذن من الله.
قال تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) سورة يونس:59.

وقال سبحانه (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) سورة النحل:116.

ومن هذه الآيات البينات، والأحاديث الواضحات عرف فقهاء الإسلام معرفة يقينية أن الله وحده هو صاحب الحق في أن يحل ويحرم، في كتابه أو على لسان رسوله وأن مهمتهم لا تعدوا بيان حكم الله فيما أحل وما حرم (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) سورة الأنعام:119. وليست مهمتهم التشريع الديني للناس فيما يجوز لهم وما لا يجوز. وكانوا -مع إمامتهم واجتهادهم- يهربون من الفتيا، ويحيل بعضهم على بعض، خشية أن يقعوا -خطأ- في تحليل حرام أو تحريم حلال.

روى الإمام الشافعي في كتابه (الأم) عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: "أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير. حدثنا ابن السائب عن الربيع ابن خيثم -وكان من أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه! أو يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه". وحدثنا بعض أصحابنا أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه قالوا : هذا مكروه، وهذا لا بأس به، فأما أن نقول: هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا!!

هذا ما نقله أبو يوسف عن السلف الصالح، ونقله عنه الشافعي وأقره عليه، كما نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أن السلف لم يطلقوا الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا.

وهكذا نجد إماما كأحمد بن حنبل يسأل عن الأمر فيقول: أكرهه أو لا يعجبني، أو لا أحبه، أو لا أستحسنه.

ومثل هذا يروى عن مالك، وأبي حنيفة وسائر الأئمة رضي الله عنهم.
(انتهى كلام الشيخ )

فإذا كان هذا شأن الفقهاء العلماء الأجلاء ، فالأولى بالعامة ألايقحموا أنفسهم فى هذا المجال

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:16 AM
ما هي الأسس التي بنى عليها الشيخ القرضاوي فقهه الميسر في فتاوى الحج ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
للإجابة على هذا السؤال أضع بعض الحقائق الأساسية :ـ
الحقيقة الأولى:
إن الذي نتقيد به ونلتزمه وجوبا، هو النص المعصوم من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بموجب عقد الإيمان (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) الأحزاب:
الحقيقة الثانية:
ما أجمع عليه العلماء إجماعا مُتَيَقَّنا ـ لا مُدَّعًى ـ فنحن ملتزمون به، لأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ما لم يكن هذا الإجماع مبنيا على ظرف أو وضع لم يعد قائما.
الحقيقة الثالثة:
إن ما اختلف فيه العلماء، فهو رحمة بالأمة، وسعة لها، ومن حق أهل العلم أن يختاروا من هذه الآراء المختلفة ما هو أقوم قيلا، وأهدى سبيلا، وهذا أمر تختلف فيه العقول والمدارك، من حيث النظر إلى الظواهر أو إلى المقاصد، ومن حيث الميل إلى التيسير أو التشديد. ومن حيث قوة الاستنباط أو ضعفه.
الحقيقة الرابعة:
إن اختيارنا وترجيحنا لهذه الآراء الميسرة في فقه الحج ـ لاعتبارات ترجحت لنا، في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدهاـ لا يعني بحال تجريح الآراء المخالفة، أو الطعن في أصحابها، معاذ الله، وبعضهم أئمة كبار، لهم مقامهم في العلم والدين، وبعضها آراء الجمهور. ولكن الله تعالى لم يضمن لنا العصمة إلا للرسول صلى الله عليه وسلم ولإجماع الأمة كلها بيقين لا شك فيه.
الحقيقة الخامسة:
إن هذا الدين قام على اليسر ورفع الحرج عن المكلفين، كما دلت على ذلك النصوص المتوافرة من القرآن والسنة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتيسير لا التعسير، فقال: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" وقال: " إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " وكان من أوصافه عليه السلام: أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.
الحقيقة السادسة:
إن عصرنا هذا خاصة أحوج ما يكون إلى فقه التيسير، لغلبة المادية على العقول، وغلبة الشهوات على الأنفس، وازدحام الحياة المعاصرة بأمور كثيرة: شغلت الناس عن دينهم، وعن حق ربهم عليهم، فكان علينا ـ أهل العلم والدعوة ـ أن نمسك الناس على الدين، ولو بخيط دقق، حتى لا يتفلتوا منه سراعا، وأن نحبب الله جل وعلا إليهم بتخفيف تكاليفه عليهم، ما وجدنا إلى ذلك سبيلا.
الحقيقة السابعة:
إن الحج عبادة خاصة، أشد حاجة إلى التيسير من سائر العبادات الأخرى لعدة أسباب:
أولا: إن كثيرا من الناس قد يؤدي هذه الشعيرة، في ظروف مادية وصحية غير مواتية تماما، وقد سافر وارتحل عن أهله ووطنه، والسفر قطعة من العذاب.
وثاينا: لشدة الزحام الذي يشكو منه المسلمون كافة في مواسم الحج طوال السنوات الأخيرة، وهذا من فضل الله تعالى على أمة الإسلام، وخصوصا عند الدفع من عرفات، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، وعند طواف الإفاضة، ورمي الجمرات. ولا سيما مع قلة الوعي لدى كثيرين من الحجاج، فكلما يسرنا على الناس في أداء مناسكهم، أعناهم على حسن العبادة لربهم، وفي هذا خير كثير.
وثالثا: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يسر كثيرا في أمور الحج خاصة، فيحن سئل يوم النحر عن أمور شتى قدمت أو أخرت، قال لمن سأله: افعل ولا حرج. كما أنه نهى في الحج خاصة عن الغلو في الدين، حين قال للفضل بن العباس حين التقط الحصى للرمي " بمثل هذا فارموا وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".

والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:19 AM
لماذا لم يذكر "الإجماع" و"القياس" ضمن مصادر المعرفة بالأحكام الشرعية؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

لم يذكر الإجماع والقياس ضمن مصادر المعرفة بالأحكام الشرعية لعدة أسباب :ـ
أولا: أن هذين المصدرين يذكران ـ مع الكتاب والسنة ـ بالنسبة "للأحكام الفرعية العملية"، التي يعنى بها "علم الفقه". والحديث عن أحكام الإسلام كلها التي تشمل ـ مع الأحكام الفقهية ـ العقائد والأخلاق والفكر والسلوك. يعتمد فيه على المصدرين الأساسيين: القرآن والسنة.

وثانيا: أن هذين المصدرين ـ الإجماع والقياس ـ إنما استدل على إثباتهما بالقرآن والسنة، وبهذا ثبتت حجتيهما لا بذاتهما. ومعنى هذا: أن الأصل في الاستمداد والاستدلال هو القرآن والسنة.

وثالثا: أن الكتاب والسنة هما المصدران القطعيان المعصومان اللذان لا يخالف مسلم صحيح الإسلام في حجيتهما بخلاف الإجماع والقياس، ففيهما كلام كثير مذكور في أصول الفقه.
وإن كان جمهور الأمة يعتبرونهما.

هناك كلام في الإجماع: في إمكانه، وفي وقوعه، وفي العلم به إذا وقع، وفي حجيته بعد العلم به.

وهناك كلام في القياس وحجيته وشروط قبوله. ونزاع الظاهرية وغيرهم في ذلك معلوم غير مجهول.

وبهذا تحددت مصادر المعرفة بأحكام الإسلام، وبعبارة أخرى: تحددت "المرجعية العليا" للإسلام.

فليست هي لمجمع من المجامع الدينية أو العلمية، كما عرف ذلك عند النصارى ومجامعهم المسكونية المقدسة.

وليست هذه المرجعية لرئيس ديني، مهما علا كعبه في العلم والتقوى، فليس لدي المسلمين "بابا" يوصف بالقداسة والعصمة، كما عند غيرهم.

وليست هذه المرجعية لمدرسة أو مذهب، أو طريقة، قلدها مقلدون في مجال الاعتقاد والفكر، أو في مجال الفقه والتشريع، أو في مجال التربية والسلوك.

فما وجد من ذلك في تاريخ الإسلام وتراثه إنما هو اجتهادات بشر غير معصومين، في فهم الإسلام والعمل به، يؤخذ منهم، ويرد عليهم، من أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله، مادام هذا الاجتهاد صادرا من أهله في محله، مصحوبا بالنية الصالحة.

تحددت المرجعية العليا في الإسلام للمصدرين الإلهيين المعصومين: القرآن والسنة، اللذين أمرنا باتباعهما، وأن نرد إليهما ما تنازعنا فيه.

وإن شئت قلت: هو مصدر واحد، أو مرجع واحد، هو "الوحي الإلهي"، سواء أكان وحيا جليا متلوا، وهو القرآن، أم وحيا غير جلي ولا متلو، وهو السنة.

أما عمل "العقل الإسلامي" في تفسير القرآن، وشرح الحديث، واستنباط الأحكام، فلا عصمة له في مفرداته وجزئياته. ولكنه ـ في مجموعه ـ ضروري لفتح المغاليق، وتبيين الطريق، وترشيد الفهم، وتسديد الاستنباط والاجتهاد، حتى لا تزل الأقدام، وتضل الأفهام.

والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:19 AM
نريد من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي أن يحدثنا عن جلال منصب الفتوى وكيف كان السلف رضوان الله عليهم يتعاملوا مع الفتوى ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
الفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر، فإن المفتي ـ كما قال الإمام الشاطبي ـ قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم فهو خليفته ووارثه "العلماء ورثة الأنبياء" وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام، وتعليم الأنام، وإنذارهم بها لعلهم يحذرون، وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة، قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه ـ كما قال الشاطبي ـ شارع، واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق.

واعتبر الإمام أبو عبدالله بن القيم المفتي موقعا عن الله تعالى فيما يفتي به، وألف في ذلك كتابه القيم المشهور "إعلام الموقعين عن رب العالمين" الذي قال في فاتحته:
"إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟!"

وقد عرف السلف رضي الله عنهم للفتوى كريم مقامها، وعظيم منزلتها وأثرها في دين الله وحياة الناس، ومن هذا تهيبهم للفتوى ، وتريثهم في أمرها، وتوقفهم في بعض الأحيان عن القول، وتعظيمهم لمن قال: "لا أدري" فيما لا يدري، وإزراؤهم على المتجرئين عليها دون اكتراث، استعظاما منهم لشأنها، وشعورا بعظم التبعة فيها.

وأول الناس في ذلك الصحابة، فكان كثير منهم لا يجيب عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من البصيرة والطهارة والتوفيق والسداد، كيف لا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحيانا فلا يجيب حتى يسأل جبريل؟
وكان الخلفاء الراشدون ـ مع ما آتاهم الله من سعة العلم ـ يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم، ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ ـ الإجماع في العصر الأول ـ.
وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى فلا يجيب ويحيل إلى غيره أو يقول: لا أدري. قال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري!

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ود أخاه كفاه!
وقال عطاء بن السائب: أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم وإنه ليرعد.
وقال عمر بن الخطاب: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار.
وقال ابن مسعود: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.
وروي عن ابن عباس: إذا أخطأ العالم "لا أدري" أصيبت مقتاله، ونسب إلى غيره أيضا.
وإذا انتقلنا إلى التابعين نجد سيدهم وأفقههم سعيد بن المسيب كان لا يكاد يفتي، ولا يقول شيئا، إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني!
وسئل القاسم بن محمد ـ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ـ عن شيء فقال: إني لا أحسنه، فقال له السائل: إني جئتك لا أعرف غيرك.
فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي! والله لا أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به.

وسئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري، قيل له: ألا تستحي من قول "لا أدري" وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا".
وبعد التابعين نجد أئمة المذاهب المتبوعة لا يستنكفون من قول "لا أدري" فيما لا يحسنونه.
وقد حفظ عن أبي حنيفة ـ مع براعته في الجواب، وقدرته الفائقة على الاستنباط والتوليد، مسائل معروفة قال فيها: لا أدري.

روى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الفرق "الخوف" من الله أن يضيع العلم ما أفتيت أحدا. يكون له المهنأ، وعلى الوزر!
وقال أيضا: من تكلم في شيء من العلم وتقلده وهو يظن أن الله لا يسأله عنه: كيف أفتيت في دين الله؟ فقد سهلت عليه نفسه ودينه.
وكان أشدهم في ذلك مالك رحمه الله، فكان يقول: من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن.
وسمعه ابن مهدي يقول: ربما وردت علي المسألة، فأسهر فيها عامة ليلي.

وقال مصعب: وجهني أبي بمسألة ـ ومعي صاحبها ـ إلى مالك يقصها عليه، فقال: ما أحسن فيها جوابا، سلوا أهل العلم.
وقال ابن أبي حسان: سئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من "لا حول ولا قوة إلا بالله".
وكان الرجل يسأله عن المسألة، فيقول: العلم أوسع من هذا وقال بعضهم: إذا قلت أنت يا أبا عبدالله: لا أدري فمن يدري؟ قال: ويحك! ما عرفتني! وما أنا؟ وأي شيء منزلتي حتى أدري ما لا تدرون؟! ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر يقول: لا أدري، فمن أنا؟! وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرئاسة. وهذا يضمحل عن قليل.
وقال مرة أخرى: قد ابتلى عمر بن الخطاب بهذه الأشياء، فلم يجب فيها، وقال ابن الزبير: لا أدري، وابن عمر: لا أدري!
وقال مصعب: سئل مالك عن مسألة، فقال لا أدري. فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير، وكان السائل ذا قدر، فغضب مالك وقال: مسألة خفيفة سهلة! ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعت قول الله تعالى (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل.
قال بعضهم: ما سمعت قط أكثر قولا من مالك "لا حول ولا قوة إلا بالله" ولو شئنا أن ننصرف بألواحنا مملوءة بقوله لا أدري "إن نظن إلا ظنا، وما نحن بمستيقنين" لفعلنا.
وقال أبو داود: سمعت أحمد "بن حنبل" وسئل عن مسألة فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة! وما أحصى ما سمعت أحمد، سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم، فيقول: لا أدري!
وجاء رجل يسأله عن شيء فقال: لا أجيبك في شيء. ثم قال: قال عبدالله بن مسعود: إن كان من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.
وهكذا كان أئمة الإسلام.

والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:20 AM
ما عقوبة من يتجرء على منصب الفتوى بغير علم ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
كان السلف ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها، ويعتبرون ذلك ثلمة في الإسلام، ومنكرا عظيما يجب أن يمنع.
وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".
وروى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه".

وذلك لأن المستفتي معذور إذا كان من أفتاه لبس لبوس أهل العلم، وحشر نفسه في زمرتهم، وغر الناس بمظهره وسمته.
غير أن من أقر هذا المفتي ـ بعد تبين جهله وخلطه ـ من ولاة الأمور يشاركه في الإثم أيضا، ولا سيما إذا كان من أهل الحظوة لديهم، والقربى إليهم، فهو ينفعهم، وهم ينفعونه، على طريقة "احملني أحملك"!
ومن ثم قرر العلماء: أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو عاص أيضا.
ونقل ابن القيم عن أبي الفرج بن الجوزي رحمه الله قال: ويلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية.
قال: وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم.

وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على هؤلاء، ولما قال له بعضهم يوما: أجعلت محتسبا على الفتوى؟! قال له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟
والإمام أبو حنيفة رغم ذهابه إلى عدم الحجر على السفيه احتراما لآدميته، يقول بوجوب الحجر على المفتي الجاهل المتلاعب بأحكام الشرع، لما وراء تلاعبه من ضرر عام على الجماعة المسلمة، لا يقاوم حقه الفردي في حرية التصرف.

وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ـ شيخ الإمام مالك ـ يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! قال: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق!
قال بعض العلماء فيما نقله ابن القيم عنه: فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ وإقدام من لا علم له على الفتيا، وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب؟!
ونقل أبو عبدالله بن بطة ما رواه الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود: والله إن الذي يفتي الناس في كل مسألة لمجنون، وقول الحكم للأعمش: "لو سمعت منك هذا الحديث قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي فيه".

ثم قال أبو عبدالله: فهذا عبدالله بن مسعود يحلف بالله، إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه مجنون. ولو حلف حالف لبر، إن أكثر المفتين في زماننا هذا مجانين! لأنك لا تكاد تلقى مسئولا عن مسألة، متلعثما في جوابها ولا متوقفا عنها، ولا خائفا لله، ولا مراقبا له أن يقول له: من أين قلت؟ بل يخاف ويجزع أن يقال: سئل فلان عن مسألة فلم يكن عنده جواب، يفتي فيما عيى عنه أهل الفتوى، ويعالج ما عجز عن علاجه الأطباء".

وقال غير واحد من السلف في بعض أهل زمانه. أن أحدهم يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر!
وأقول: فكيف لو رأى ربيعة وابن بطة وابن القيم ومن قبلهم ومن بعدهم من علماء زماننا نحن؟ وكيف أصبح يفتي في قضايا الدين الكبرى من لا علم له بالأصول ولا بالفروع، ولم يتصل بالقرآن والسنة اتصال الدارس المتعمق، بل اتصال الخاطف المتعجل؟
بل كيف أصبح بعض الشباب يفتون في أمور خطيرة بمنتهى السهولة والسذاجة، مثل قولهم بتكفير الأفراد والمجتمعات، وتحريمهم على أتباعهم حضور الجمع والجماعات، أو قول آخرين بإسقاط الجهاد حتى تقوم الدولة القرآنية، والخلافة الإسلامية.

وكثير من هؤلاء ليسوا من "أهل الذكر" في علوم الشريعة، ولا كلف نفسه أن يجلس إلى أهل الذكر ويأخذ عنهم، ويتخرج على أيديهم، إنما كون ثقافته من قراءات سريعة في كتب المعاصرين، أما المصادر الأصلية فبينه وبين قراءتها مائة حجاب وحجاب، ولو قرأها ما فهمها، لأنه لا يملك المفاتيح المعينة على فهمها وهضمها. فكل علم له لغة ومصطلحات لا يفهمها إلا أهله العارفون به المتخصصون فيه، فكما لا يستطيع المهندس أو الطبيب أن يقرأ كتب القانون وحده دون مرشد ومعلم، ولا يستطيع القانوني أن يقرأ كتب الهندسة وحده، كذلك لا يستطيع أحد هؤلاء أن يدرس كتب الشريعة وحده دون موجه يأخذ بيده0
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:21 AM
ما الصفات والثقافات التي يجب على من يتصدى للفتوى أن يتعرض لها ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
إن المفتي أو الفقيه الذي يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم بل يوقع عن الله جل شأنه، جدير بأن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام، والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، مع البصيرة والمعرفة بالحياة وبالناس أيضا بالإضافة إلى ملكة الفقه والاستنباط.
لا يجوز أن يفتي الناس في دينهم من ليس له صلة وثيقة وخبرة عميقة بمصدريه الأساسيين: الكتاب والسنة.

ولا يجوز أن يفتي الناس من لم تكن له ملكة في فهم لغة العرب وتذوقها، ومعرفة علومها وآدابها حتى يقدر على فهم القرآن والحديث.

ولا يجوز أن يفتي الناس من لم يتمرس بأقوال الفقهاء، ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط، ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف.
ولا يجوز أن يفتي الناس من لم يتمرس بعلم أحوال الفقه، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس، ومتى لا يجوز. كما لا يجوز أن يفتي من لم يعايش الفقهاء في كتبهم وأقوالهم، ويطلع على اختلافهم، وتعدد مداركهم، وتنوع مشاربهم، ولهذا قالوا: من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه!
ولا يجوز أن يفتي الناس من يعيش في صومعة حسية أو معنوية، لا يعي واقع الناس، ولا يحس بمشكلاتهم.

يروي الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه "الفقيه والمتفقه" عن الإمام الشافعي قوله:
"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيم أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر، وبما يحتاج إليه العلم والقرآن، ويستعمل ـ مع هذا ـ الإنصات وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأفكار، وتكون له قريحة (أي ملكة وموهبة) بعد هذا فإن كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي".

وسئل الإمام أحمد: ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث، وليس بعالم بالفتيا؟ قال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا، أن يكون عارفا بالسنن، عالما بوجوه الكتاب، عالما بالأسانيد الصحيحة، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها.

ولم يكتف الإمام أحمد بمعرفة المفتي للسنن، فاشترط له المعرفة بأقوال الفقهاء والمجتهدين، قال: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي، وقال أيضا: أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس.

وسأله بعضهم: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا وحركها.
وقد خفف علماء الأصول بعد ذلك ـ نزولا على الأمر الواقع في أزمانهم وقالوا: المهم أن يعرف من الأحاديث ما يتعلق بالأحكام، ولا يلزم حفظها عن ظهر قلبه، يكفي أن يكون ممارسا لها، عارفا بمظانها متونا وشروحا، خبيرا بنقدها، تعديلا وتجريحا، قادرا على مراجعتها عند الحاجة إلى الفتوى، ومهما قدر على الحفظ فهو أحسن وأكمل.

على أن الحفظ وحده لا يجعل الحافظ فقيها، ما لم تكن لديه المقدرة على تمييز المقبول والمردود، والصحيح والمعلول، وكذلك على الاستنباط والترجيح، أو التوفيق بين النصوص بعضها وبعض، وبينها وبين المقاصد الشرعية والقواعد الكلية.
قيل للإمام عبدالله بن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالما بالأثر، بصيرا بالرأي.
وبهذا لا يكفي الأثر دون الرأي، ولا الرأي دون الأثر. ولابد للمفتي من ثقافة عامة، تصله بالحياة والكون، وتطلعه على سير التاريخ، وسنن الله في الاجتماع الإنساني، حتى لا يعيش في الحياة هو بعيد عنها، جاهل بأوضاعها.

يقول الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" "اعلم أن العلوم كلها أبازير للفقه، وليس دون الفقه علم إلا وصاحبه يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفقيه، لأن الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة، وإلى معرفة الجد والهزل، والخلاف والضد، والنفع والضر، وأمور الناس الجارية بينهم، والعادات المعروفة منهم، فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه، ولن يدرك ذلك إلا بملاقاة الرجال، والاجتماع مع أهل النحل والمقالات المختلفة، ومساءلتهم وكثرة المذاكرة لهم، وجمع الكتب ومدارستها، ودوام مطالعتها".
ولا يريد الخطيب من المفتي أو الفقيه أن يجمع الكتب في خزائنه من هنا وهناك دون أن يعيها، وتفهم ما فيها، فهذا كمثل الحمار يحمل أسفارا.

ونقل عن بعض الحكماء أنه قيل له: إن فلانا جمع كتبا كثيرة، فقال: هل فهمه على قدر كتبه؟ قيل: لا. قال: فما صنع شيئا! ما تصنع البهيمة بالعلم؟!
وقال رجل لرجل كتب، ولا يعلم شيئا مما كتب: مالك من كتبك إلا فضل تعبك وطول أرقك، وتسويد ورقك!

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:22 AM
إن من أسوأ الأشياء خطرا على المفتي أن يعيش في الكتب، وينفصل عن الواقع، ولهذا أحسن الخطيب رضي الله عنه حين طلب إلى المفتي أن يعرف الجد والهزل، والنفع والضر في أمور الحياة.
ومما قاله الإمام أحمد:
لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية، لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.
والثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة.
والثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته.
والرابعة: الكفاية (أي من العيش) وإلا مضغه الناس.
والخامسة: معرفة الناس.

إن المفتي البصير يجب أن يكون واعيا للواقع، غير غافل عنه، حتى يربط فتواه بحياة الناس، فهو لا يكتب نظريات، ولا يلقي فتواه في فراغ، ومراعاة الواقع تجعل المفتي يراعي أمورا معينة، ويضع قيودا خاصة، وينبه على اعتبارات مهمة.

وأستطيع أن أذكر هنا مثلا لفتوى صدرت من الإمام الشهيد حسن البنا حول (تحديد النسل) ذكر فيها النصوص الشرعية التي رغبت في كثرة النسل، والنصوص التي رخصت في العزل، ثم قال:
"إذا تقرر هذا، ولاحظنا معه أن الإسلام لم يغفل ناحية القوة في الأبناء، والصحة في الإنتاج، بل أوصى بذلك، ونبه إليه، فعن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تقتلوا أولادكم سرا، فإن الغيل يدرك الفارس قيد عثرة عن فرسه". أخرجه أبو داود.
والغيل أن يقرب الرجل امرأته وهي ترضع، فتضعف لذلك قوى الرضيع، فإذا بلغ مبلغ الرجال ظهر فيه أثر هذا الضعف؛ نقول إذا تقررهذا علمنا أن الإسلام مع وصيته بالإكثار من النسل وإرشاده إلى أسباب القوة فيه، قد يجعل رخصة تستخدم إذا توافرت الأسباب والدواعي التي تدعو إليها.
وعلينا إذا أردنا أن نستخدم هذه الرخصة أن نسأل أنفسنا الأسئلة الآتية:

1. أليست هناك أسباب تدعو إلى الإكثار من النسل لا إلى تحديده؟
2. هل ثبت بأدلة قوية، وقرائن صادقة أن هناك من الأسباب ما يدعو إلى التحديد، وهل تأكدنا أن كثرة النسل هي السبب في الضائقة الاجتماعية؟
3. هل يمكن استخدام علاج اجتماعي آخر؟
4ـ للتحديد أضرار خطيرة؟ هل وثقنا من أنه سوف لا تنجم عن هذا
5. هل اتخذت الاحتياطات الكافية لمنع هذه الأضرار؟
6. ما الوسائل التي ستتخذ، وهل يبيحها الإسلام؟
7. هل وثقنا من أن هذه الرخصة ستستخدم بالقدر الضروري فقط، وأنه سيستخدمها الذين يراد منهم استخدامها، وأن العود إلى القاعدة الكلية ـ وهي ترك التحديد ـ سيكون ممكنا إذا ما دعت الحاجة إليه؟
8. وأخيرا، هل الأفضل من ذلك أن يعالج بصورة عامة أو بصورة فردية خاصة؟
9. أليس من الجائز أن تسفر هذه التجربة عن عجز عن معالجة الأضرار المزعومة، كوفيات الأطفال مثلا فتظل هذه الدواعي كما هي، ويضاف إليها الأضرار التي ستنجم عن التحديد؟
10. وملاحظة أخرى قد تكون بعيدة عن تفكيرنا المحدود بالواقع والبيئة الخاصة وإن كانت صحيحة في ذاتها: هي أن الإسلام لا يتقيد بهذا التقسيم السياسي في الوطن الإسلامي العام، فهو: عقيدة ووطن وجنسية، وأرض المسلمين في نظره وطن واحد، فالزيادة في جزء منه قد تسد نقصا في جزء آخر.
وعلى ضوء البيانات التي سمعتها في هذه الدار الكريمة من حضرات الباحثين الفضلاء أستطيع أن أستخلص النتيجة التالية:
إن نجاح التشريع غير مضمون في القرى بتاتا فإن أولاد الفلاح هم رأس ماله وثروته، والفلاحون في أشد الحاجة إلى الإكثار من الذرية.
وإن المشاهد أن الطبقة التي تستخدم التحديد هي الطبقة المتعلمة التي ينتظر منها الإكثار، وذلك ضار بالأمة، فإن القادرين على التربية هم الذين يفرون من كثرة الأبناء، ولهذا نحن في الواقع نخشى إن استمر هذا الحال أن نجد أنفسنا في المستقبل أمام مشكلة هي كيف نكثر من النسل لخدمة الوطن المحتاج إلى كثرة الأبناء.

ومعنى هذا أن استخدام رخصة التحديد التي أباحها الإسلام لظروفها لا تجوز بصورة عامة ولا يصح أن تحمل عليها الأمة بل تستخدم بصورة خاصة فردية بحتة مع الذين تتوفر عندهم دواعيها فقط.

إن هناك من ظروف الأمة الخاصة في نهضتها الجديدة ما يدعو إلى تكثير النسل، فأمامنا الجيش، وأمامنا الأرض البور وغير ذلك.
والآن أسباب الأضرار المشكو منها اقتصاديا، وصحيا، واجتماعيا لا ترجع إلى كثرة النسل بل إلى ارتفاع مستوى المعيشة من جهة وجهل الأمهات من جهة أخرى، والمزاحمة من جهة ثالثة، وأسباب أخرى نعجز عن حصرها، وسردها.
وذلك ما استبان لي وفوق كل ذي علم عليم0

وهكذا ينبغي أن تكون الفتوى: يزدوج فيها فقه الدين وفقه الحياة.
وبدون معرفة الناس ومعايشتهم في واقع حياتهم ومشكلات عيشهم، يقع المفتي في متاهات، أو يهوم في خيالات، ويظل في واد والناس في واد، فهو لا يعرف إلا ما يجب أن يكون، دون ما هو كائن، مع أن الواجب شيء، والواقع شيء آخر.

يقول ابن القيم: الفقيه من يطبق بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
ذكر هذا في معرض جواز استفتاء مستور الحال، بل الفاسق إذا لم يكن معلنا بفسقه، داعيا إلى بدعته. قال: وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الأرض، فلو منعت إمامة الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم، لعطلت الأحكام، وفسد نظام الخلق، وبطلت أكثر الحقوق، ومع هذا فالواجب اعتبار الأصلح فالأصلح.
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:22 AM
نرجو من حضراتكم أن تبينوا لنا أخلاق من يتعرض لمنصب الإفتاء حيث إن هذا المنصب من أجل وأعظم المناصب ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في هذه المسألة

لابد مع العلم من عمل، ولابد مع العمل من خشية، والعلم الذي لا يثمر خشية الله وتقواه لا قيمة له في ميزان الحق، يقول الله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

إن آفة الحياة ليست من فساد العقول، بقدر ما هي من فساد الضمائر، وإن أزمة الناس ليست أزمة معرفة بقدر ما هي أزمة أخلاق.

ولم تفسد الأديان السابقة على الإسلام بسبب الجهل بحقائقها، بقدر ما فسدت من علماء السوء، المتاجرين بها، المحرفين لها.

ولا عجب أن حمل القرآن بقوة على الذين يخونون علمهم، يشترون به متاعا زائلا، ويلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون.

نقرأ قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون).

ونقرأ كذلك قوله سبحانه: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمنا قليلا، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار).

ونقرأ أسوأ مثلين ذكرهما القرآن لمن علم ولم يعمل بمقتضى ما علم: كالذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، وجعل الله مثله (كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث) وكذلك بنو إسرائيل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، أي لم يقوموا بحقها، ولم يعملوا بهديها، جعل القرآن مثلهم (كمثل الحمار يحمل أسفارا).

ـ من هنا أكد علماء الإسلام على الجانب الأخلاقي للمفتي، ولم يكتفوا منه بسعة العلم والتبحر فيه، حتى يزين علمه بالتقوى ومكارم الأخلاق.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يوئس الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ألا لا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في فقه لا ورع فيه، ولا قراءة ولا تدبر فيها.

ويقول الحسن البصري: هل تدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد، الذي لا يسخر ممن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله حطاما.

ويقول الإمام مالك: لا يكون العالم عالما، حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس ولا يفتيهم به، مما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم.

فأين هذا ممن يفتي الناس بمنع شيء وهو يمارسه ويعمله، أو يفتيهم بوجوب فعل شيء، وهو تاركه ومضيعه؟ والله تعالى خاطب بني إسرائيل فقال: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون).

ـ ومن أمانة المفتي وتقواه، أن يحيل سائله إلى من هو أعلم منه بموضوع الفتوى ولا يجد في ذلك حرجا في صدره.

سئلت عائشة أم المؤمنين عن المسح على الخفين، فقالت للسائل: سل عليا، فإنه أعلم مني بهذا، وقد كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم.

ـ ومن ذلك، أن يسأل هو إخوانه من أهل العلم ويشاورهم، ليزداد استيثاقا واطمئنانا إلى الأمر، كما كان يفعل عمر، حيث يجمع علماء الصحابة ويشاورهم، بل كان يطلب رأي صغار السن فيهم مثل عبدالله بن عباس، الذي قال له مرة: تكلم ولا يمنعك حداثة سنك.

ـ ومن هذا الجانب الأخلاقي: أن يرجع عن الخطأ إذا تبين له، فالرجوع إلى الحق خير له من التمادي في الباطل، ولا إثم عليه في خطئه، لأنه مأجور عليه، وإنما يأثم إذا عرفه ثم أصر عليه عنادا وكبرا، أو خجلا من الناس والله لا يستحي من الحق.

وقد كان بعض السلف يفتي سائله، فإذا تبين له خطؤه بأمر ينادي في الناس بأن فلانا الفقيه أفتى اليوم خطأ، ولا يبالي بما يقول الناس.

ـ ومن أخلاقيات المفتي: أن يفتي بما يعلم أنه الحق، ويصر عليه، ولو أغضب من أغضب من أهل الدنيا، وأصحاب السلطان، وحسبه أن يرضي الله تبارك وتعالى. وكل الذي فوق التراب تراب.

وقد أفتى الأئمة المتبوعون بأحكام رأوها حقا، ورآها أصحاب السلطان ضد سلطانهم، فأصروا عليها مجاهرين، وعرضوا أنفسهم لسخط المتسلطين، فضربوا وأوذوا، ولكنهم صبروا على ما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.

ولقد امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية من أجل فتاويه التي خالف بها المألوف لدى المقلدين الجامدين، فكادوا له لدى أولي السلطة، حتى دخل السجن أكثر من مرة، وظل في محنته الأخيرة إلى أن وافاه الأجل رضي الله عنه.

ومع هذا لم يتزحزح عن موقفه، ولم يتراجع عما رأى أنه الحق، ولم يبال بسجن ولا نفي ولا تهديد بقتل، ومن كلامه في ذلك: سجني خلوة، ونفيي سياحة (هجرة) وقتلي شهادة.

ـ وقبل ذلك كله يجدر بمن عرض نفسه للفتوى أن يشعر بالافتقار إلى الله تعالى، وصدق التوجه إليه، وأن يقف على بابه متضرعا داعيا أن يوفقه للصواب ويجنبه زلل الفكر واللسان والقلم، ويحفظه من اتباع الهوى، وخليق به أن يقول ما كان يقول ابن تيمية: اللهم يا معلم إبراهيم علمني، وما كان يقوله بعض السلف، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

أو يدعو بدعاء موسى عليه السلام: (رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقه قولي).

وبما جاء في الصحيح من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:23 AM
ما الأخلاق التي يجب على المستفتين أن يتخلقوا بها حيث إن كثيرا من المفتين يتحايلون كي يحصلوا على الفتوى التي يريدونها بصرف النظر عن قوة الدليل أو ضعفه فهل هذا يعفيهم من المسؤلية أمام الله تعالى؟


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
هذا التحايل أو البحث عن المفتي الذي يتساهل فيحلل الحرام أو إخفاء بعض الحقائق عن المفتى حتى تخرج الفتوى حسب هوى المستفتي هذا كله لايجوز بحال ويتحمل المستفتي الوزر كاملا لأن المستفتي الذي يريد أن يعرف الحق لابد وأن يتحلى بجملة آداب يذكر لنا فضيلة الشيخ الأستاذ القرضاوي بعضها فيقول :
إذا كان على المفتي واجبات يجب أن يقوم بها، وآداب يحسن أن يراعيها، فإن على المستفتي مثل ذلك أيضا ، ومن هذه الواجبات

أولا :السؤال عما ينفع
وأول ما يجب عليه أن يحسن السؤال، فحسن السؤال نصف العلم، كما هو مأثور، وتطبيقا لهذا المعنى يجب أن يكون سؤاله عما ينفع، أي يسأل في واقعة يعانيها هو أو غيره ويريد الحكم فيها، ولا يسأل فيما هو مفترض بعيد الوقوع. فهذا من: "أغاليط المسائل" التي جاء الحديث بالنهي عنها (رواه أبو داود).

وقد سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة لا ثمرة لها، فغضب لذلك غضبا شديدا، كسؤال عبدالله بن حذافة له: من أبي؟ لأن مثل هذا السؤال لا نفع له قط، لأنه إن كان له أب غير الذي ينسب إليه بين الناس، لم يكسب من ذلك إلا أن يفضح أمه، ويزري نفسه.

وقد عاقب عمر رجلا جعل كل همه أن يسأل عن المتشابهات، التي لا يتعلق بها حكم عملي، وقد يثير الجري وراءها مراء وجدلا لا طائل تحته، إلا إضاعة الأوقات، وبلبلة الأفكار، وإيغار الصدور.

ولما سئل الإمام مالك عن معنى "الاستواء" في قوله تعالى (استوى على العرش) غضب وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة!

وقد روي في التفسير أن بعض المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم ينقص حتى يصير كما كان، فأنزل الله قوله: (يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج) فعدل عن الجواب عن عين سؤالهم إلى الجواب عن منافع الأهلة في الدين والحياة، فهذا ما يقدرون على فهمه في ذلك الوقت، وهو كذلك أجدى عليهم وأنفع لهم.

وسائر الأسئلة التي سجلها القرآن للمسلمين في عصر النبوة كانت أسئلة واقعية تتصل بصميم حياتهم، لا بأخيلة وافتراضات وأغلوطات يدفع إليها حب التسلية وتزجية الفراغ، أو التعالم الأجوف، أو التعنت وتعجيز الغير، أو نحو ذلك من البواعث الرخيصة التي لا وزن لها في دين ولا أخلاق.

ومن أسئلتهم التي خلدها القرآن (يسألونك عن الخمر والميسر) (يسألونك ماذا ينفقون) (يسألونك عن اليتامى) (يسألونك عن المحيض) (يسألونك ماذا أحل لهم) الخ.

وقد ظل المسلمون في عصور ازدهارهم يسألون عما يفيدهم في دينهم ومعاشهم ومعادهم، وإذا جمح بأحدهم جواد خياله رده علماؤهم إلى جادة الصواب، وأفهموه أن الإسلام يريد المسلم إيجابيا منتجا، يعرض عن اللغو، ويشغل نفسه ووقته بالنافع من القول والعمل والفكر.

ولما تخلف المسلمون ـ حضاريا وفكريا ـ أكثروا من الأسئلة التي لا يصلح بها دين، ولا ترتقي بها دنيا، ولا يزكو عليها فرد، ولا تنهض بها جماعة، وشغل عوام المسلمين بمسائل وتفصيلات لم تخطر ببال أحد من سلف الأمة.

وكان للمتأخرين من علمائهم المقلدين دور كبير في إذكاء هذه الروح، ودعم هذا الاتجاه، لأنهم ضيعوا اللباب، وشغلوا بالقشور، وشغلوا الناس معهم بها، حتى أن تدريس الوضوء والطهارة ليستغرق دروس شهر كامل كشهر رمضان.

ثانيا : استفتاء القلب
وعلى المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعا، وإنما لبس على المفتي، وغره بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسئول عنها، فيجيب المفتي بما يظهر له، غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته. ولو عرضت عليه القضية بوضوح، لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفى عنه، لغير فتواه.

فلا يخدعن المستفتي نفسه، ويحلل لها ما يوقن ـ بينه وبين نفسه ـ أنه حرام، لمجرد أنه حصل في يديه فتوى من هذا الشيخ أو ذاك، هي ـ في واقع الأمر ـ في غير موضوعه، أو في غير حالته.

والمفتي هنا كالقاضي الذي يحكم بحسب الظاهر، تاركا إلى الله أمر الخفايا والسرائر، وقضاؤه بحسب الظاهر، لا يجعل الحرام في الباطن حلالا، قال تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).

وفي الحديث الصحيح: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار".

وإذا كان هذا في قضاء الرسول المصطفى بحسب ما يظهر له، فكيف بقضاء غيره؟!

ولا خلاف أن المفتي في هذا الأمر كالقاضي ولا فرق.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:24 AM
وكل فتوى تحوك في صدر المستفتي، ولا تطمئن إليها نفسه، ولا يستريح إليها ضميره، لسبب من الأسباب المعتبرة، يجب أن يتوقف عن العمل بها، حتى تتضح له الرؤية، ويصل إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، بأن يسأل أكثر من مفت، أو يعاود المفتي الأول مرة بعد أخرى، حتى يزول التردد بالتثبت، وينقطع الشك باليقين، ما وجد إلى ذلك سبيل. فالقلب ـ أو الضمير بتعبير عصرنا ـ هو المفتي الأول في هذه الأحوال، كما في الحديث المعروف.

يقول العلامة ابن القيم: "لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي، إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك".

فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي بذلك.

ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله فيه، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها.

فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي، يسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.

ثالثا :تبين الفتوى بكل قيودها

وعلى المستفتي بعد ذلك أن يتفحص فتوى مفتيه تمام التفحص، ويتبين ما فيها من قيود وشروط تمام التبين، ثم يطبق ذلك على نفسه وحاله. فلا يخطف الجواب خطفا، قبل أن يتأمل أوائله وأواخره، وما يحمل في طيه من قيود أو أوصاف قد لا تنطبق على قضيته عند التطبيق، وقد يجيب المفتي بكلام عام، ثم ينبه في أثناء فتواه أو على آخرها على قيد أو شرط، أو يستدرك كلامه الأول، فيقيد مطلقه، أو يخصص عمومه، أو يفصل مجمله.

فلابد للمستفتي أن يراعي هذا كله، ولا يأخذ ببعض الجواب دون بعض، إذا أراد أن يتخلص من التبعة، ويلقى الله تعالى سليما من الإثم.

رابعا: طلب العلم
ثم إن على المسلم أن يتفقه في دينه، ويتعلم من أحكامه ما ينفعه، وما يسير به في طريق سوي، حتى لا تختلط عليه الأمور، ويلتبس عليه الحق بالباطل والحلال بالحرام.

ولهذا جاء في الحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" والمراد: كل إنسان مسلم، ذكرا كان أو أنثى، فالمسلمة كالمسلم في طلب العلم بالإجماع، وإن لم يرد في الحديث بلفظ "مسلمة".

إذا لم يتعلم المسلم، تكون النتيجة أنه يسير في طريق، ولكن غير الطريق السليم، يبتدع في الدين ما ليس منه، ويعبد الله على غير ما شرع، والله تعالى لا يريد من عباده أن يبتدعوا، لأن الله تعالى هو الشارع، وليس لهم أن يشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".

إذا لم يتعلم الإنسان دينه، فقد يحلل الحرام، ويحرم الحلال. يحرم على نفسه ما لم يحرم الله، ويبيح لنفسه أو لغيره ما حرمه الله. قد يرد الصحيح ويقبل الباطل، ويصوب الخطأ، ويخطئ الصواب، وقد رأيت هذا كثيرا وعانيته، فمن الناس من يرد حديثا ورد في البخاري بحديث لا أصل له، بعضهم رد الحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهو ثابت في صحيح البخاري، من أجل حديث "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء" يعني عائشة، وهذا الحديث باطل كما حقق العلماء.

وهذا إنما جاء من الجهل بالدين، فلابد أن يتعلم الإنسان دينه، فإذا تعلم دينه استطاع أن يسير على هدى، ويمضي على بينة من ربه، ولكن، من أين يعرف المسلم أحكام دينه وتعاليمه؟
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:24 AM
هل هناك منهج عصري يمكن اتباعة لمن يريد أن يتصدى للفتوى في هذا العصر ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
نقول للسائل الكريم
لقد تكلم فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في هذه المسألة في كتابه الفتوى بين الانضباط والتسيب وإليك ما ذكره في هذه المسألة باختصار وتصرف
يقول فضيلة الشيخ عن منهجه في الإفتاء وأنه يتلخص في :

أولا: التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى لزيد أو عمرو من المتقدمين أو المتأخرين، فقد قيل لا يقلد إلا عصبي أو غبي، وأنا لا أرضى لنفسي واحدا من الوصفين، هذا هو التوقير الكامل لأئمتنا وفقهائنا، فعدم تقليدهم ليس حطا من شأنهم، بل سيرا على نهجهم، وتنفيذا لوصاياهم بألا نقلدهم، ولا نقلد غيرهم، ونأخذ من حيث أخذوا، كما أن عدم تقليدهم لا يعني الإعراض عن فقههم وتراثهم، بل ينبغي الرجوع إليه والاستفادة منه بمختلف مدارسه، دون تحيز ولا تعصب.

وهذا الموقف لا يتطلب من العالم المسلم المستقل في فهمه أن يكون قد بلغ درجة الاجتهاد المطلق كالأئمة الأولين، وإن كان هذا غير ممنوع شرعا ولا قدرا.
ولكن حسب العالم المستقل في هذا الموقف أمور:
أ. ألا يلتزم رأيا في قضية بدون دليل قوي، سالم من معارض معتبر، ولا يكون كبعض الناس الذين ينصرون رأيا معينا، لأنه قول فلان، أو مذهب فلان، دون نظر إلى دليل أو برهان، مع أن الله تعالى يقول: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ولا يسمى العلم علما إذا كان ناشئا من غير دليل.
ولقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: "لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله".

ب. أن يكون قادرا على الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها، والنظر في مستنداتها من النقل والعقل، ليختار منها ما كان أسعد بنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده، وأولى بإقامة مصالح الخلق التي نزلت لتحقيقها شريعة الخالق.
وهذا أمر ليس بالعسير على من ملك وسائله من دراسة العربية وعلومها، وفهم المقاصد الكلية للشريعة، بجانب الاطلاع على كتب التفسير والحديث والمقارنة.

ج. أن يكون أهلا للاجتهاد الجزئي: أي الاجتهاد في مسألة معينة من المسائل وإن لم يكن فيها حكم للمتقدمين،
بحيث يستطيع أن يعطيها حكمها بإدخالها تحت عموم نص ثابت، أو بقياسها على مسألة مشابهة منصوص على حكمها، أو بإدراجها تحت الاستحسان أو المصالح المرسلة، أو غير ذلك من الاعتبارات والمآخذ الشرعية.

ثانيا: تغليب روح التيسير والتخفيف على التشديد والتعسير، وذلك لأمرين:
الأول: أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج عن العباد، وهذا ما نطق به القرآن، وصرحت به السنة في مناسبات عديدة.
ففي ختام آية الطهارة من سورة المائدة، وما ذكر فيها من تشريع التيمم، يقول تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).
وفي ختام آية الصيام من سورة البقرة، وما ذكر فيها من الترخيص للمريض والمسافر بالإفطار، يقول سبحانه: (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر).
وفي ختام آيات المحرمات في الزواج، وما رخص الله فيه من نكاح الإماء المؤمنات لمن عجز عن زواج الحرائر، يقول جل شأنه: (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا) وفي ختام سورة الحج، وما ذكر فيها من أحكام وأوامر، يقول عز وجل (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج)

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".
ويقول: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين".
ويقول: "إنما بعثت بحنيفية سمحة".
وينكر على المتطرفين والمغالين في العبادة أو في تحريم الطيبات، ويعلن أن من فعل ذلك فقد رغب عن سنته "ومن رغب عن سنتي فليس مني".
ويوجه أصحاب هذه النزعة إلى التوسط والاعتدال، حتى لا يطغى حق على حق، ولهذا قال بعضهم: "إن لبدنك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه".

والأمر الثاني: طبيعة عصرنا الذي نعيش فيه، وكيف طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغيرية، والنفعية على الأخلاق، وكيف كثرت فيه المغويات بالشر، والعوائق عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال، ومن بين يديه ومن خلفه، تريد أن تقتلعه من جذوره، وتأخذه إلى حيث لا يعود.

ثالثا: ومن القواعد التي ينبغي على المفتي المعاصر التزامها: أن يخاطب الناس بلغة عصرهم التي يفهمون، متجنبا وعورة المصطلحات الصعبة، وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخيا السهولة والدقة.
وقد جاء عن الإمام علي: "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!"
وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ولكل عصر لسان أو لغة تميزه، وتعبر عن وجهته، فلابد لمن يريد التحدث إلى الناس في عصرنا أن يفهم لغتهم ويحدثهم بها.
ولا أعني باللغة مجرد ألفاظ يعبر بها قوم عن أغراضهم، بل ما هو أعمق من ذلك، مما يتصل بخصائص التفكير، وطرائق الفهم والإفهام.

رابعا: الإعراض عما لا ينفع الناس
ومن القواعد التي ينبغي للمفتي المعاصر التزامها: ألا يشغل نفسه ولا جمهوره إلا بما ينفع الناس، ويحتاجون إليه في واقع حياتهم.
أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدل، أو التعالم والتفاصح، أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنونه، أو إثارة الأحقاد والفتن بين الناس، أو نحو ذلك، فكنت أضرب عنها صفحا، ولا ألقي لها بالا، لأنها تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع.
كان بعض الناس يبعثون إلي بأسئلة تتضمن ألغازا شرعية يريدون حلها من مثل: "نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى" و"قوم كذبوا ودخلوا الجنة، وقوم صدقوا ودخلوا النار" وأشباه ذلك، فكان ردي عليها السكون والإعراض لأن الاشتغال بمثل هذه المسائل من عمل الفارغين.
ومثل ذلك الأسئلة التي تتعلق بالأمور الغيبية، مما لم يجئ بتحديده نص معصوم، ومثل ذلك غوامض المسائل الدينية والعقائدية التي لا تحتملها الطاقة العقلية المعتادة لجمهور الناس، ويخشى من الخوض فيها ـ سؤالا وجوابا ـ التشويش على الكثيرين.
فهذا أيضا مما لا أعتني بالإجابة عنه إلا إزالة لشبهة، أو ردا لفرية، أو تنبيها على قاعدة، أو تصحيحا لفهم، أو نحو ذلك.

خامسا: الاعتدال بين المتحللين والمتزمتين
ومن خصائص المنهج الذي سرت عليه: التزام روح التوسط دائما، والاعتدال بين التفريط والإفراط، بين الذين يريدون أن يتحللوا من عرى الأحكام الثابتة بدعوى مسايرة التطور من المتعبدين بكل جديد، وبين الذين يريدون أن يظل كل ما كان على ما كان من الفتاوى والأقاويل والاعتبارات، تقديسا منهم لكل قديم.


سادسا: إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح
إنني لا أرضى أبدا طريقة بعض العلماء قديما وحديثا في جواب السائلين: بأن هذا يجوز وهذا لا يجوز، وهذا حلال وهذا حرام، أو حق وباطل، طلبا للاختصار، وعدولا عن الإطالة، ليفرق بين الفتيا والتصنيف، وإلا لصار المفتي مدرسا.

حتى ذكر ابن حمدان في كتابه "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" أن بعض الفقهاء قيل له: أيجوز كذا فكتب، لا!
وهذا إن جاز مع بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال، لا يجوز أن يكون قاعدة فيما يذاع على جمهور الناس، أو يكتب في صحيفة أو مجلة أو كتاب، يقرؤه الخاصة والعامة.
والحق أني أعتبر نفسي عند إجابة السائلين مفتيا، ومعلما، ومصلحا، وطبيبا، ومرشدا.
وهذا يقتضي أن أبسط بعض الإجابات وأوسعها شرحا وتحليلا، حتى يتعلم الجاهل، ويتنبه الغافل، ويقتنع المتشكك، ويثبت المتردد، وينهزم المكابر، ويزداد العالم علما، والمؤمن إيمانا.
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:25 AM
كيف يتعامل المسلم المعاصر مع تراث السلف ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

إذا كان تراثنا من الفعل الإنساني، وليس له في ذاته عصمة ولا قداسة، فمن حقنا أن نقف معه وقفة الناقد البصير، الذي يعتبره ثروة عظيمة يجب الاستفادة منها، بالانتقاء والانتخاب من بين كنوزها، ما يقبله العقل، ويرضاه النقل، وتقتضيه المصلحة المشروعة، وأن ندع منها ما ثبت لدينا خطؤه، أو لم يعد صالحا في زماننا، أو لغير ذلك من الأسباب التي يرتضيها عقلنا المهتدي بما أنزل الله من الكتاب والميزان.

وأود أن أركز هنا على جملة مبادئ يجب أن نتعامل بها مع تراثنا العظيم:
الأول: أن ننظر في سنده، لنعرف صحة ثبوته من عدمها، فليس كل ما نسب إلى السلف صحيحا.
الثاني: ثبوت حقنا في نقده، ما دام غير معصوم.
الثالث: وجوب العدل والاعتدال في تقويمه ونقده.
الرابع: ألا يتجاوز النقد إلى الطعن والتجريح.

1ـ ليس كل ما نسب إلى التراث صحيح الثبوت:
وينبغي أن يعلم هنا أن كثيرا مما ينسب إلى السلف غير صحيح النسبة إليهم. فكثيرا ما يروى القول أو الرأي أو الخبر عنهم بغير سند أصلا، أو يروى بإسناد واهٍ أو موضوع مختلق.
ومثل هذا يجب أن يُرفض وفق موازين النقد العلمي، التي وضعها أئمة الإسلام لقبول الأخبار والمرويات.
فلا بد من السند أولا. ولو لا الإسناد لقال من شاء ما شاء!
ولا بد من أن يكون صحيحا، أي من رواية الثقات المعروفين، الذين لا تخدشهم تهمة في عدالتهم أو ضبطهم، مع اتصال السند من مبدئه إلى منتهاه.
وإذا كان من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ما روي معلقا بغير إسناد ومنها ما روي بأسانيد منقطعة أو واهية، بل وموضوعة مكذوبة، رغم تشديده صلى الله عليه وسلم وتحذيره البالغ من الكذب عليه. فلا عجب أن يوجد مثل ذلك في أخبار من دونه من صاحب وتابع ومن بعدهم.
على أن من العلماء من قد يدقق في رواية الأحاديث النبوية المرفوعة، ولكنه يتساهل غاية التساهل في الرواية عن سلف الأمة وعلمائها وصلحائها.
وهذا يوجد كثيرا في كتب الرقائق والتصوف.
ومن ثم يلزم الباحث عن الحق فيما يروى عن السلف رضي الله عنهم أن يستوثق أولا من ثبوت المروي عنهم من ناحية سنده.
ونحب أن نشير إلى أن ثبوت المروي لا يكون بكثرة ذكره في بعض الكتب، كما يفعل أكثر المعاصرين. فالتوثيق عندهم أن ينقلوا النص أو الرواية من أكثر من كتاب، مشيرين إلى الجزء والصفحة والطبعة. ولكن هذا لا يغني ما لم يعرف السند وقيمته، فهذا هو المعيار الوحيد لثبوت الأخبار لدى المحققين من علماء المسلمين.
فإذا ثبت الخبر وصح سنده، كان البحث في دلالته ومعناه.

2ـ شرعية نقد التراث السلفي:
وإذا ثبت نفي العصمة عن كل أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعنى ذلك: أن من عداه من صحابة أو تابعين أو أتباع تابعين، أو من بعدهم، من العلماء والأئمة في كل الاختصاصات: في التفسير أو الحديث أو الكلام، أو الفقه أو الأصول أو التصوف، كل هؤلاء بشر مجتهدون في علومهم وتخصصاتهم غير معصومين، فكل ما قالوه أو انتهوا إليه من آراء واجتهادات قابلة للنقد، محتملة للنقاش. وإن كان له صلة بفهم الدين وتفسيره وشرحه والاستنباط منه، ولكنه في جملته عمل العقل البشري الذي قد يصيب وقد يخطئ، وقد يهتدي، وقد يضل.
ولهذا ورد عن غير واحد من السلف هذه الكلمة الصادقة: كل أحد يؤخذ من كلامة ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه الكلمة: ما من أحد إلا يؤخذ من كلامه ويترك.. الخ مروية عن أكثر من واحد من السلف.
رويت عن حبر الأمة عبد الله بن عباس، وعن عطاء ومجاهد من أئمة التابعين، وعن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنهم جميعا.
وذكر الغزالي في (الإحياء) سبب ورود هذه الكلمة عن ابن عباس فقال: وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه، وقرأ على أبي بن كعب، ثم خالفهما في الفقه والقراءة جميعا.
وقال بعض السلف: ما جاءنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبلناه على الرأس والعين. وما جاءنا عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فنأخذ منه ونترك. وما جاءنا عن التابعين، فهم رجال ونحن رجال.
وهذا القول يروى عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.
وكان ابن عباس ينكر أشد الإنكار على من يرد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول قائل مهما تكن منزلته، ولو كان هو أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقد اشتد واحتد على من حاجوه برأي الشيخين في مقابلة حديث نبوي فقال: توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء! أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!!
لم تضمن العصمة من الخطأ لأحد من الأمة كائنا من كان، لكن ضمنت العصمة لمجموع الأمة، فهذا الأمة لا تجتمع على ضلالة. ولهذا كانت العقائد والمبادئ والمفاهيم والأحكام الأساسية التي أجمعت عليها الأمة إجماعا يقينيا، وتوراثها خلفها عن سلفها بالتواتر العملي اليقيني، هي التي تمثل (ثوابت الأمة) في اعتقادها وفكرها وسلوكها، وهي التي تجسد وحدة الأمة العقدية والعقلية والشعورية والعملية، وتحفظها من الذوبان، والتشتت إلى أمم وجماعات يجافي بعضها بعضا، بل قد يعادي بعضها بعضا، بل قد يقاتل بعضه بعضا.
وهذه هي (المنطقة المغلقة) من تراث الأمة، التي لا تقبل التطور ولا التجديد ولا الاجتهاد، وهي منطقة (محدودة) جدا، ولكنها مهمة جدا. فلولاها لضاعت الأمة، وذهبت هويتها، وانسلخت من جلدها.
وإذا كان عمل العقل المسلم في فهم نصوص الدين وتفسيرها واستنباط الأحكام منها: جهدا بشريا قابلا للنقد والمناقشة، فأولى بقبول ذلك ما كان غير مرتبط بالدين من التراث، مثل: الفلسفة والتاريخ واللغة والأدب والفن، ونحوها، فمساحة النقد فيها أرحب بلا نزاع.
ونحن هنا نجد الناس ـ وخصوصا في عصرنا ـ طائفتين على طرفي نقيض:
1ـ فطائفة تضفي على التراث ـ كل التراث ـ قدسية، تجعله فوق النقد، وفوق المساءلة، وفوق الاختبار، ويجب أن يؤخذ تراث السلف كله مأخذ القبول والتسليم، وأن نقول لكل رأي فيه: آمنا وصدقنا، ولكل حكم فيه: سمعنا وأطعنا.
2ـ وفي مقابل هذه الطائفة: طائفة أخرى على عكسها تماما، تريد أن تلغي التراث كله لو أمكنها، وتهيل التراب عليه، وتبدأ من جديد، كما تبدأ الأمم التي ليس لها حضارة ولا تاريخ، وكما يبدأ الفرد الذي أصيب بفقد الذاكرة، فليس له ماض يرجع إليه، إنما هو ابن يومه، ولا علاقة له بأمسه.
والموقف العادل الراشد هو الموقف الوسط بين الفئتين أو الطائفتين. ويتمثل هذا الموقف أساسا في التفريق بين الوحي الإلهي والتراث البشري، فما كان من الوحي الإلهي، من نص قرآني أو نبوي صحيح الثبوت صريح الدلالة، ليس له معارض من الشرع أو العقل، فالواجب الإذعان له واتباعه.
وما كان من أفهام البشر للوحي الإلهي من القرآن والسنة، فمن حقنا أن نناقشه، وأن نأخذ منه وندع، ولكن وفق الأصول المرعية، لا اتباعا للأهواء، فإن اتباع الهوى يعمي ويصم (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) وإذا كان القول من عالم ثقة في علمه ودينه، ورضيه أهل الإسلام: فلا ينبغي التسرع في رد قوله، بل ينبغي أن يحمل قوله على محمل حسن مقبول، ما أمكن ذلك.
فالعالم المُقْتَدَى به، المقبول عند الأمة، يفترض في مثله ألا يخالف الكتاب والسنة إلا من خطأ أو غفلة، فلهذا يدفعنا حسن الظن به إلى التماس المخارج المقبولة لتأويل كلامه بما يليق به وبسيرته ومنهجه، دون اعتساف أو تكلف.
فإذا لم يتهيأ ذلك، فلا يسعنا إلا أن نحكم على قوله أو سلوكه بالخطأ، لأنه بشر مجتهد غير معصوم، دون أن نتهمه في نيته، أو نجرِّحه في دينه، أو نحقر من شأنه.
يقول ابن تيمية:
" الغلط ـ مع حسن القصد وسلامته، وصلاح الرجل وفضله ودينه، وزهده وورعه وكراماته ـ كثير جدا. فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما من الخطأ والغلط، بل ولا من الذنوب.
وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما عبر الرؤيا: " أصبت بعضا وأخطأت بعضا " اهـ.
ومن ذلك تعليق ابن تيمية على ما جاء عن الشبلي رحمه الله: أنه سمع قارئا يقـرأ قوله تعـالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) آل عمران:152 فصرخ. وقال: أين من يريد الله؟!
قال: فيحمد منه كونه أراد الله، ولكن غلط في ظنه أن الذين أرادوا الآخرة ما أرادوا الله. وهذه الآية في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه بأحد. وهم أفضل الخلق، فإن لم يريدوا الله، أفيريد الله من هم دونهم كالشبلي وأمثاله ؟!
إذا كانت البدعة عن خطأ في الاجتهاد:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح في خطبة بوم الجمعة: " خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة "، ولم يقل: (وكل ضلالة في النار) بل يضل عن الحق من قصد الحق، وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب، وقد يفعل بعض ما أمر به فيكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له.
وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم.
وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وفي الصحيح: أن الله قال: ( قد فعلت) وبسط هذا له موضع آخر.


3ـ وجوب الاعتدال في تقويم تراثنا الديني والفكري:
والاعتدال في تقويم تراثنا الصوفي والكلامي والفقهي والأثري هو المطلوب والمحمود. فتوزن هذه المواريث كلها بما لها وما عليها بالقسط. ويفصل بين طوائفها واتجاهاتها بالحق، فيعطي كل منها حكمه الخاص به لا يتعداه، دون تعصب لفئة، أو تعصب ضد أخرى. بل كما أمرنا الله عز وجل أن نكون شهداء بالقسط مع من نحب، ومع من نكره، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) النساء:135 وقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة:8.
وهذا هو موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من " التصوف والصوفية " فقد بيّن تنازع الناس في طريقهم، ما بين مبالغ في التعظيم، ومبالغ في الذم والإنكار. قال:
فطائفة ذمّت " الصوفية والتصوف " وقالوا: إنهم مبتدعون، خارجون عن السنة، ونُقِل عن طائفة من أهل الفقه والكلام.
وطائفة غلت فيهم، وادعوا أنهم أفضل الخلق، وأكملهم بعد الأنبياء.
وكلا طرفي هذه الأمور ذميم.
و" الصواب " أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب.
ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه.
وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم. كالحلاج مثلا. فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه، وأخرجوه عن الطريق مثل: الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره. كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في " طبقات الصوفية "، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد.
فهذا أصل التصوف. ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية " ثلاثة " أصناف: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم.
فأما " صوفية الحقائق " فهم الذين وصفناهم.
وأما " صوفية الأرزاق " فهم الذين وقفت عليهم الوقوف، كالخوانك. فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق. فإن هذا عزيز، وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك، ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط:
أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض، ويجتنبون المحارم.
والثاني: التأدب بآداب أهل الطريق، وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وأما الآداب البدعية والوضعية فلا يلتفت إليها.
والثالث: أن لا يكون أحدهم متمسكا بفضول الدنيا.
فأما من كان جَمَّاعا للمال، أو كان غير متخلق بالأخلاق الحميدة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقا، فإنه لا يستحق ذلك.
وأما " صوفية الرسم " فهم المقتصرون على النسبة، فهـمّهم في اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك. فهؤلاء في الصوفية بمنزلة " الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد، ونوع ما ـ من أقوالهم وأعمالهم، بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم ". اهـ
وهذا الموقف هو أعدل المواقف وأصوبها وأبعدها عن الإفراط والتفريط، فليس من العدل تجريدهم من كل فضيلة، واتهامهم بكل نقيصة، كما يفعل ذلك المتعصبون عليهم، الذين يلقون على كاهلهم أوزار البدع والانحرافات التي كدرت صفاء الإسلام، ولوثت حياة المسلمين. وكثير من هؤلاء ممن ينسبون أنفسهم إلى مدرسة ابن تيمية.
وهذا في الواقع ليس من الإنصاف، فكل الفئات من المتكلمين والمتفقهين والمحدثين كالمتصوفين. لهم وعليهم. ولا تخلو فئة من هؤلاء من غلو أو تقصير في بعض الأمور. والمتقدمون في كل فئة خير من المتأخرين في الجملة، فالقرون الأولى هي خير قرون هذه الأمة، وكل من كان قريبا من هذه القرون فهو أقرب إلى هدي الرسول وأصحابه، وإلى منهج الإسلام القويم.
وللصوفية جهودهم وآثارهم في نشر الإسلام بين الكفار، وفي التربية الروحية بين المسلمين، ولهم أخطاء وانحرافات. والمخلصون منهم مثابون على حسناتهم، معذورون في أخطائهم، بل مأجورون فيها إذا كانت بعد تحرّ واجتهاد.
وعلى هذا النهج سار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، فقوّما ميراث القوم بميزان الكتاب والسنة. فقبلوا منه وردّوا، وأخذوا وتركوا.
تجد ذلك واضحا في رسائل ابن تيمية وفتاويه المتعلقة بالتصوف والسلوك. وقد بلغت مقدار مجلدين في مجموع فتاويه التي بلغت خمسة وثلاثين مجلدا، وطبعت بالرياض.
ونجده في كتب ابن القيم المتعلقة بهذا الجانب مثل " الداء والدواء " و"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين " و " باب الهجرتين وطريق السعادتين " وغيرهما مما يبحث في هذه النواحي، وأعظمها وأجمعها ولا شك " مدارج السالكين. شرح منازل السائرين ".
نجد ابن تيمية يثني على سيد الطائفة الجنيد، وعلى أبي سليمان الداراني، وأمثالهما من متقدمي الصوفية.
ويمتدح الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويشرح بعض فقرات من كتابه " فتوح الغيب " شرحا يبرز فضل الشيخ ومكانه من العلم ومعرفة الطريق، ويحمل بعض ما فيها على أحسن المحامل، ما وجد لذلك سبيلا.
ولكنه بجوار ذلك ينكر أشد الإنكار مذهب ابن عربي وابن سبعين والتلمساني وغيرهم من القائلين بوحدة الوجود، ويرى أن مذهبهم يناقض الإسلام، بل الأديان قاطبة.
وبهذا كان موقفه وسطا وعدلا، ليس مع الذامّين للصوفية بإطلاق. ولا المادحين لهم بإطلاق، بل عاب هؤلاء وهؤلاء. وجعل مقياس الصواب والخطأ، والاستقامة والانحراف في ذلك، هو القرب من كتاب الله تعالى، ومن هدي الرسول وصحابته وتابعيهم بإحسان، أو البعد عنه. قال:
" والصواب: للمسلم أن يعلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وخير القرون القرن الذي بعث فيهم، وأن أفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه، ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم، كما قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن:16 وقال: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) البقرة: 286 وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
" وإن كثيرا من المؤمنين المتقين ـ أولياء الله ـ قد لا يحصل لهم من كمال العلم والإيمان ما حصل للصحابة، فيتقي الله ما استطاع، ويطيعه بحسب اجتهاده، فلا بد أن يصدر منه خطأ، إما في علومه وأقواله، وإما في أعماله وأحواله، ويثابون على طاعتهم، ويغفر لهم خطؤهم، فإن الله تعالى قال: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير … إلى قوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) البقرة: 285،286 قال الله تعالى: قد فعلت .
" فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء، أو طريق أحد من العبّاد والنّساك أفضل من طريق الصحابة، فهو مخطئ، ضالّ مبتدع، ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ممقوتا، فهو مخطئ ضالّ مبتدع.
" ثم الناس في الحب والبغض والموالاة والمعاداة هم أيضا مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئون تارة، وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه، أحب الرجل مطلقا، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقا، وأعرض عن حسناته " .

4ـ نقد الآراء لا يعني الطعن في أصحابها:
وإذا كان نقد الآراء والأقوال المنقولة عن السلف ـ ناهيك بالخلف ـ مشروعا، بل قد يكون واجبا في بعض الأحيان، فلا يعني هذا أن يصل النقد إلى حد الطعن في الأشخاص، والتجريح لهم، فهذا توجه مذموم ومرفوض في ميزان الشرع، لعدة أسباب:
1ـ أن الإسلام شرع الاجتهاد في الدين لكل من هو أهله، فمن اجتهد في فهم القرآن أو السنة وفق علمه وثقافة عصره، واستفرغ في ذلك وسعه، فقد بذل ما عليه، ولم يكلفه الله أن يصيب الحق، فإن أصابه فله أجران، وإن أخطأه فله أجر واحد، وهو أجر التحري وبذل الجهد. فلم يكتف بأن جعله مقدورا، بل جعله مأجورا.
بل إن القرآن الكريم ذكر لنا قضية حكم فيها نبيان من أنبياء الله تعالى ورسله الكرام، ففهمها أحدهما وأصاب الحق فهيا، ولم يصب الآخر، ومع هذا أثنى القرآن على كل منهما، كما قال تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) الأنبياء:
2ـ أن الثواب والعقاب في الإسلام مبنيان ـ أساسا ـ على النية والقصد، فما قصد به وجه الله تعالى، فهو خير وبر، وهو قربة وعبادة، وما قصد به حب الدنيا أو حب الذات واتباع الهوى، فهو من عمل الشيطان. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " متفق عليه عن عمر.
ونحن نفترض حسن النية وقصد الخير، فيمن يشتغلون بعلوم الشرع، ويعملون في ساحة الدين، تحسينا للظن بهم، وحملا لحالهم على الصلاح، ولم نؤمر أن نكشف عن دخائلهم، وليس في وسعنا لو أردناه، إنما أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. فهم موكولون إلى نياتهم.
3ـ أن الرأي الذي ننقده اليوم ـ في القرن الخامس عشر الهجري .. والقرن الحادي والعشرين الميلادي ـ بمنطقنا اليوم، وبما لدينا من معلومات تتزايد وتتضاعف يوما بعد يوم في عصر (انفجار المعرفة) و (ثورة المعلومات) ربما كان في عصره وفي بيئته رأيا صالحا وسديدا ومتقدما، وربما أدى مهمته في مكانه وزمانه. وليس من العدل أن نحاكم رأيا له عشرة قرون أو بضعة عشر قرنا، بمنطق عصرنا، وندينه ونجرح قائله، فهذا من الظلم المبين. إنما أن يوضع كل قول وكل رأي وفكر في إطاره التاريخي في زمانه ومكانه وملابساته، ونحكم له أو عليه ضمن هذا الإطار. فقد ننتهي إلى أن هذا الرأي كان صالحا في ذلك الزمان، ولم يعد صالحا اليوم. ولهذا قال الفقهاء: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.
4ـ أن المنقود بشر غير معصوم، والناقد أيضا بشر غير معصوم، وما يدرينا لعل الصواب مع المنقود، ولعل الخطأ مع الناقد. فليخفف الناقد من غلوائه، وليتواضع قليلا، وليعلم أن أحدا لم يؤت الحقيقة كلها، ولا الحكمة كلها، وقد قال الله عز وجل: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الإسراء:
وقال الشافعي رضي الله عنه:
كلما أدبني الدهـــــــر أراني نقص عقلي
وأراني ازددت علما زادني عـلما بجهلي
وهذا الخلق ـ خلق التواضع ـ هو من شيمة العلماء الأصلاء، لا الدخلاء، فهو ـ وإن ارتقى في العلم ما ارتقى ـ يعتقد أنه ينقصه الكثير، ويسأل الله المزيد، كما قال تعالى لرسوله: (وقل رب زدني علما) طه:111.
وكم من علماء كانوا متمسكين بآراء ظلوا طوال عمرهم مؤمنين بها، داعين إليها، ذائدين عنها، مخاصمين لمعارضيها، وفي آخر حياتهم أعرضوا عنها، وآمنوا بضدها، كما رأينا ذلك عند إمام الحرمين الجويني، وأبي حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي وغيرهم من كبار متكلمي الأشاعرة، الذين خاضوا لجج التأويل، ثم انتهوا في آخر حياتهم إلى رأي السلف رضي الله عنهم في التسليم وترك التأويل.
5ـ أن من القيم الرفيعة المأمور بها في ديننا، والمتوازنة عندنا: أن تكون عدولا حتى مع خصومنا، ولو كانوا كفارا معادين لنا. كما قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة:
ولهذا تعامل أئمتنا وعلماؤنا الكبار مع مخالفيهم بالعدل والاعتدال، بل بالحب والإخاء، ولم تدفعهم المخالفة في الرأي أو المذهب إلى الخصومة أو الطعن والتجريح، وسع بعضهم بعضا، وصلى بعضهم وراء بعض.
حتى الخلفاء الراشدون ـ والسلطة بأيديهم ـ كانوا يحترمون آراء الآخرين، ولا يجبرون الناس على اتباع آرائهم، وإن كانوا يرونها صوابا.
عن عمر أنه لقي رجلا فقال: ما صنعت (في قضية له)؟
فقال: قضى علي وزيد بكذا.
فقال عمر: لو كنت أنا لقضيت بكذا.
قال: فما يمنعك والأمر إليك؟
قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك.
فلم ينقض ما قال علي وزيد (وهو يرى خلاف ما ذهبا إليه) .
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) يسال عن رجل يقدم وعليه جلود الثعالب أو غيرها من جلود الميتة المدبوغة.
فقال: إن كان لبسه وهو يتأول " أيما إهاب دبغ فقد طهر " فلا بأس أن تصلي خلفه.
قيل له: فتراه أنت جائزا؟
قال: لا، نحن لا نراه جائزا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " ولكنه إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه.
قيل له: كيف وهو مخطئ في تأويله، ليس من تأول كمن لا يتأول. ثم قال: كل من تأول شيئا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه أو عن أحدهم فذهب إليه، فلا بأس أن يصلي خلفه، وإن قلنا نحن خلافه من وجه آخر لأنه قد تأول.
يعني الإمام أحمد: أنه يحترم صاحب الرأي الآخر، وإن كان يخالفه، مادام ذلك الرأي مؤسسا على تأويل وموقف علمي. وهذا هو التسامح الذي يليق بأمثال أحمد رضي الله عنه.

والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:26 AM
اختلاف المذاهب هل يعتبر خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة؟ وماذا نرد على المتعصبين لمذاهب بعينها ؟

الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

لا شك أن المذاهب المعتبرة عند الأمة، كلها مدارس فقهية، وطرق لمعرفة أحكام الشريعة، وكلها على هدى وعلى خير في مجموعها وجملتها، لا في جميع جزئياتها وتفصيلاتها، وهي ـ من هذه الحيثية ـ متساوية في نسبتها إلى الشريعة الإسلامية، وبعبارة أخرى: إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة.
وأما من حيث التفصيل، فلا يوجد مذهب إلا وفيه مسائل يكون دليله فيها ضعيفا، ومأخذه غير مقنع، وهذا بمقتضى البشرية غير المعصومة، ولكن هذا لا ينقص من قيمة المذهب، ولا من قدر صاحبه، لأنه مأجور حتى على خطئه، ولأن الجميع مشتركون في ذلك.
قال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب): اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجُهَّال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة؟ ومن العجب أيضا: من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض، تفضيلا يؤدي إلى تنقيص المُفَضَّل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء، وصارت عصبية وحمية جاهلية، والعلماء منزهون عن ذلك.. وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة رضي الله عنهم، فما خاصم أحد أحدا، ولا عادى أحد أحدا، ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ ولا قصور.
فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة: خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة .
ومع هذا وجدنا من أتباع المذاهب من يتعصب لمذهبه، ولمؤسس مذهبه وإمامه، ويحاول أن يفضله على غيره من الأئمة، وأن يلتمس له من النصوص الحديثية ما يبرر تفضيله وترجيحه، وهو تكلف لم يدعه صاحب المذهب لم يخطر على باله.
وأعجب من هذا وأغرب: أن تختلق أحاديث في فضل بعض الأئمة، وتحقير بعض آخر، والتنفير منه.
ومما يؤسف له: أن نجد بعض الكتب المهمة محشوة بأقاويل فجة في الطعن على بعض الأئمة، الذين لهم قبول في الأمة.
وذلك مثل كتاب (السنة) الذي ينسب إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل ففيه أقاويل عن الإمام أبي حنيفة، تقشعر من فظاعتها الأبدان. والحق أني لم أكد أصدق أن يشتمل كتاب من كتب السلف على هذا الهجوم السافر على رجل من أئمة الهدى، لم يؤسس مذهبه من فراغ، إنما أسسه على ميراث المدرسة المسعودية في الكوفة، وهي مدرسة كان فيها من جبال العلم، وأعلام الهدى، من لا يشك فيهم مسلم له صلة بالعلم الإسلامي، ثم هو لم يؤسس هذا المذهب وحده، بل أسسه معه أصحابه الكبار الذين كان كل منهم إماما برأسه، مثل أبي يوسف ومحمد صاحبيه، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد اللؤلؤي وغيرهم، وهو أكثر المذاهب اتباعا في الأمة، يتبعه الأفغان والهنود والباكستانيون، والبنغاليون والأتراك وغيرهم من الجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا (أزبكستان وطاجكستان وكزاخستان وغيرها).
وقد كان المذهب السائد في طوال عصور الخلافة العباسية، والخلافة العثمانية.
فكيف ينتقص من إمام هذه المذهب، ويتهجم عليه، إلى هذا المستوى الذي قرأته ورأيته؟
وقد أورد الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه (تاريخ بغداد) في ترجمة أبي حنيفة أقوال لم يكن لها ضرورة، تسيء إلى الإمام رضي الله عنه.. مما جعل العلامة التركي الحنفي الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في تركيا ينتقده بكتاب (تأنيب الخطيب على ما ساقه في شأن أبي حنيفة من الأكاذيب) وربما تجاوز فيه أيضا، فهذا الميدان إذا دخل الناس فيه أسرفوا وبغى بعضهم على بعض إلا من عصم ربك. وقليل ماهم.
ومما ذكروه في التعصب للأئمة قول العلامة الحنبلي أبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب (ذم الكلام) و(منازل السائرين) وغيرها. حكى الذهبي في (الإعلام) عن محمد بن طاهر قال: سمعته ينشد على منبره:
أنا حنبلي ما حييت، فإن أَمُت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا!
وحكى ذلك عن أبي عبد الله البوشنجي الشافعي في ترجمته أنه قال:
وإني حياتي شافعي، وإن أمت فتوصيتي بعدي أن يتشفعوا!!
ونقل عن القاضي عياض في ترجمته ، قوله عن الإمام مالك:
ومالك المرتضى لا شك أفضلهم إمام دار الهدى والوحي والسنن!
ولا يحضرني الآن ما قاله بعض الحنفية في هذا المجال. ولا أحسبهم نجوا مما وقع فيه هؤلاء. وما يمنع أحدهم أن يقول: فوصيتي للناس أن يتحنفوا؟!
ومما يأسى له المسلم أن يجد بعض العلماء الكبار، الذين لهم شأن عند الأمة، والذين تركوا وراءهم تراثا علميا عريضا، وذكرا حسنا في الآفاق، دخلوا في هذا النفق المظلم، واعتبروا مذهبهم هو الأحق من المذاهب الأخرى، وربما أداهم هذا إلى التطاول على الآخرين، والتنقيص من أقدارهم.
ومن هؤلاء: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت478هـ) فقد ألف كتابا ـ ليته لم يؤلفه ـ سماه (مغيث الخلق في اختيار المذهب الأحق) حمل فيه على مذهب الحنفية، وأعلى من مذهب الشافعية، والشافعي عال بعلمه وفضله، وليس في حاجة إلى من يعليه. وما أظنه ـ رضي الله عنه ـ يرضى عن هذا التوجه الذي لا يليق بمنهجية الفضلاء من العلماء. هذا مع أن لإمام الحرمين كلمات تحمل كثيرا من الإنصاف للمخالفين، وقد أعلن رجوعه في مسائل الصفات عن التأويل إلى ما كان عليه سلف الأمة، كما في (العقيدة النظامية) ولكن سبحان من تفرد بالكمال، ومن خص رسوله بالعصمة.
وقد حاول بعض إخواننا من المعاصرين إنكار نسبة الكتاب إلى إمام الحرمين، وهيهات، ففي أواخر (البرهان) ما يدل عليه، وقد نسبه من بعده من الشافعية وغيرهم إليه. وآخرهم الحافظ السيوطي في رسالة (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب).
وأخطر ما يذكر هنا: اعتبار تقليد الشافعي واجبا على طوائف الأمة كلها!! وللشافعية هنا استدلالات متكلفة لا ضرورة لها ولا مبرر.
ومن ذلك: استدلالهم بحديث " الأئمة من قريش " والشافعي هو الوحيد من بين الأئمة الأربعة الذي ينسب إلى قريش. ومع ما في صحة الحديث من كلام، فإن حمله على (الإمامة العلمية) خروج عن الظاهر، لأن الإمامة المقصودة في مثله من الأحاديث هي (رئاسة الدولة) كما تدل عليه أحاديث شتى. ولذا جاء في بعض الأحاديث " الأمراء من قريش " ولو صح هذا التأويل، فلماذا لا يحمل على من هم أعظم من الشافعي مثل سعيد بن المسيب ـ القرشي ـ وهو سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة؟ بل لماذا لا يحمل على حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله ابن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وكنت أود من الإمام السيوطي أن يَثْبُت على ما قاله أولا من أن كل مجتهد على هدى، وكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة، وما قاله بعد ذلك في الرد على من تعصب من الحنفية وقال: إنه يجوز لغير الحنفي أن يتحول حنفيا، ولا يجوز للحنفي أن يتحول شافعيا أو غيره فقد ذكر السيوطي: أن هذا تحكم لا دليل عليه، وتعصب محض، فإن الأئمة كلهم في الحق سواء، ولم يرد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمييز مذهب أبي حنيفة عن غيره .
ولكنه للأسف جره الرد على المتعصب الحنفي إلى أن يخرج عن منهجه الأول الذي قرره بوضوح، ليقول: وإن كان ولا بد من الترجيح، فمذهب الشافعي أولى بالرجحان، لأنه أقرب إلى موافقة الأحاديث. ومذهبه ابتاع الحديث، وتقديمه على الرأي .
وهذه دعوى تشترك فهيا كل المذاهب. وربما كان مذهب أحمد أولى بما قال من مذهب الشافعي، فهو أقرب إلى الأخذ بالأثر.
بل ربما كان مذهب داود وابن حزم من الظاهرية أكثر انطباقا على ما قاله السيوطي رحمه الله.
ومما شهدته من دلائل التعصب المذهبي غير البصير:
إصرار مفتي بعض الأقطار عند تعديل قوانينه الوضعية إلى قوانين إسلامية أن يؤخذ بمذهب مالك ـ وهو المذهب السائد في هذا القطر ـ دون غيره من المذاهب.
وكأن المعركة بين مذهب فقهي وآخر! إن المعركة بين الشريعة بمجموع مذاهبها وبين قوانين وضعية أرضية دخيلة لا يرضاها مالك ولا أبو حنيفة ولا الشافعي ولا ابن حنبل. ولا أي مذهب إسلامي كان أو يكون.
وليت شعري كيف وسع هذا الشيخ أن يغضي ويسكت أمام سيطرة القوانين الوضعية وطردها لكل مذاهب الفقه الإسلامي من ساحة التشريع والقتنين والقضاء، ويثور اليوم كالليث إذا أريد أن تستمد القوانين من سائر المذاهب الفقهية الإسلامية؟ بمعنى أن يؤخذ أرجحها وأليقها بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الناس في حياة مجتمعنا المعاصر؟
تفضيل المذاهب بعضها على بعض:
وأحسب أن من دلائل التعصب: تفضيل بعض المذاهب على بعض، تفضيلا ينقص من قدر المذاهب الأخرى، ويحط من شأنها.
وقد أنكر هذا بعض المحققين من علماء المذاهب أنفسهم، ولم يرضوا بمدح بعض المذاهب على حساب المذاهب الأخرى، وكلهم على حق، وعلى هدى من ربهم.
فمسألة (التفضيل) هذه آفة لدى بعض الناس، وقد غزت تفكير بعض الناس حتى شاعت بينهم هذه المفاضلات: المفاضلة بين الليل والنهار، والمفاضلة بين الصيف والشتاء، والمفاضلة بين الأرض والسماء.
وانتهى آخرون من هذه المفاضلات إلى التفضيل بين الأنبياء والرسل بعضهم وبعض، مع قوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله) البقرة:285. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تخيروني على يونس بن متى ".
قال ابن المنير: وقد ذكر قوم من أتباع المذاهب في تفضيل أئمتهم. وأحق ما يقال في ذلك ما قالت أم الكلمة عن بنيها: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها!
فما من واحد منهم إذا تجرد النظر إلى خصائصه إلا ويفنى الزمان حتى لا يبقى فيهم فضله لتفضيل على غيره.
وبين ابن المنير أن سبب ذلك إنما هو غلبة العادة، فلا يكاد يسع ذهن أحد من أصحابه لتفضيل غير مقلَّده. وفي ذلك جاءت الإشارة بقوله تعالى (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) الزخرف:489 يريد والله أعلم أن كل آية إذا جرد النظر إليها قال الناظر حينئذ: هذه أكبر الآيات، وإلا فما يتصور في آيتين أن تكون كل واحدة أكبر من الأخرى بكل اعتبار، وإلا لتناقض الأفضلية والمفضولية. والحاصل أن هؤلاء الأربعة انخرقت بهم العادة، على معنى الكرامة، عناية من الله بهم، فإذا قيسهم أحوالهم بأحوال أقرانهم كانت خارقة لعوائد أشكالهم.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام طيب في تفضيل بعض الناس بعض الأئمة على غيرهم، فقد سئل عمن قال عن الشيخ عبد القادر: إنه أفضل المشايخ، وعن الإمام أحمد: إنه أفضل الأئمة، فهل هذا صحيح أم لا؟
فأجاب رحمه الله بقوله:
أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض؛ مثل من يرجح إمامه الذي تفقه على مذهبه؛ أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره؛ كمن يرجح الشيخ عبد القادر، أو الشيخ أبا مدين؛ أو أحمد أو غيرهم: فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس؛ فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة والمشايخ، ولا يقصدون اتباع الحق المطلق، بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه فيرجحه بظن يظنه، وإن لم يكن معه برهان على ذلك، وقد يفضي ذلك إلى تحاجهم وقتالهم وتفرقهم، وهذا مما حرم الله ورسوله، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) آل عمران:102-106، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والفرقة.
فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف والتكلم بغير علم: فإنه يجب النهي عنه، فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله، وأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام، أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده، كما تنازع المسلمون: أيهما أفضل: الترجيع في الأذان أو تركه؟ أو إفراد الإقامة أو إثناؤها؟ وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها؟ والقنوت في الفجر أو تركه؟ والجهر بالتسمية؛ أو المخافتة بها؟ أو ترك قراءتها؟ ونحو ذلك. فهذه مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده، من كان فيها أصاب الحق فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور له، فمن ترجح عنده تقليد الشافعي، لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك.
ولا أحد في الإسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام: أن فلانا أفضل من فلان، فيقبل منه هذا الجواب؛ لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها، فلا تقبل جواب من يجيب بما يخالفها فيه، كما أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من يفتي بخلاف ذلك، لكن إن كان الرجل مقلدا فليكن مقلدا لمن يترجح عنده أنه أولى بالحق، فإن كان مجتهدا اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن:16، لكن عليه أن لا يتبع هواه ولا يتكلم بغير علم، قال تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) آل عمران:66 ،وقال تعالى: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين) الأنفال:6.
وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره، ولا يعرف هذا التفاضل إلا من خاض في تفاصيل العلم.
والله أعلم .

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:27 AM
كيف يمكن استخلاص أسس التلاحم المنشود بين أصول الشريعة الإسلامية والتشريع العصرى بما يوافق البنيات أو التركيب الحضارى الراهن لعصرنا ومجتمعنا ؟

الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله


لا جدال فى أن مصدر الأحكام فى الشريعة الإسلامية هو نصوص القرآن والسنة وما يلحق بهما مما أجمعت عليه الأمة ثم ما هدى إليها اجتهاد علمائها على أساس هذه الأصول، وأن النصوص منها العام القطعى مثل قول الله سبحانه {‏ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود }‏ المائدة ‏1 ، {‏ وما جعل عليكم فى الدين من حرج }‏ الحج ‏78 ، {‏ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }‏ النساء ‏29 ،
وهناك نصوص قطعية خاصة مثل آيات المواريث وتحريم الربا والزنا والخمر والميسر، ومما أجتمعت عليه الأمة بطلان زواج المسلمة بغير المسلم ووجوب نفقه الزوجة على زوجها ، ومما قطعت فيه السنة( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) .‏
وفى هذا النطاق يدور استنباط الأحكام من هذه المصادر فى باب المعاملات وفى التقنين الإدارى والاقتصادى والتجارى والجنائى ما دامت فى نطاق القواعد العامة لهذه الشريعة، ويضيق الوقت والنطاق عن تلاوة آيات القرآن الكريم التى نصت أو أشارت إلى قواعد قانونية فى شتى فروع القانون، كما اصطلحنا على تسميتها الآن.
ففى كتاب الله أهم قواعد القانون الدولية المتعلقة بالسلم والحرب والمعاهدات، ففيه قاعدة المعاملة بالمثل وفيه حكم الأسرى فى الحروب والالتزام بالمبرم من المعاهدات والوفاء بها ووجوب إعلان إلغاء المعاهدات دون عذر، وفى هذا يقول فقيه مسلم (‏وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر)‏ وفى القرآن الدعوة إلى السلم وفيه العمل على الصلح بين المتنازعين وردع المعتدين، وفيه المساواة بين الناس والدعوة إلى تحكيم الحجة والبرهان والمجادلة بالحسنى وصولا للحق، وفيه المساواة بين الرجل والمرأة فى الأهلية حيث حفظ لها رأيها وحريتها لا تذوب ولا تؤول إلىولاية زوجها كما تقرر أكثر قوانين الغرب الذى نسعى إلى تقليده، وفيه القواعد العامة للمعاملات المدينة، وفيه مبادىء قانون الإثبات مدنيا وجنائيا، وفيه أحكام الزواج والطلاق وتنظيم أمور حقوق الزوجين وفاقا وافتراقا، وحقوق الأولاد والوالدين وذوى القربى، وفيه عقوبات محددة للجرائم الماسة بأمن وسلامة المجتمع وثمة جرائم أخرى ناط تقدير العقوبة عليها بأولياء الأمور وهذه موضع الاجتهاد ومحل للتعديل والتبديل تبعا لتطور الأزمان، وكما قيل يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون وهذا هو مؤدى القول المشهور .‏
إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان .‏
إذ عموم قواعدها ومرونتها تجعلها غير جامدة ولا هامدة ، ولا مانع إطلاقا من تحكيم العرف والعادة إذا لم يصادما نصا قطعيا فى القرآن والسنة أو إجماعا سابقا للأمة فى عصر من العصور، وقد جرت نصوص الفقهاء المسلمين بذلك بل ان الدولة الإسلامية حين امتدت أطرافها نقل عمر بن الخطاب نظام الداوين وطرق جباية الموال عن الفرس والروم واستخدمهم فى هذه الأعمال للقيام بها ولتدريب المسلمين عليهيا .‏
ومن هنا كان لنا أن ننقل عن غيرنا ما لا يناقض أصول الإسلام .‏
وبعد فان كتب فقه الإسلام على اختلاف مذاهبه تحوى الكثير الوفير من القواعد العادلة التى تعالج مشاكل مجتمعنا بروج العصر دون تضييق أو خروج على أحكام الإسلام العامة والخاصة القطيعة، وأنه ينبغى أن تكون تلك القواعد هى المورد للمقننين والمصلحين بدلا من أن نستورد ما نشأ على غير أرضنا وفى غير بيئتنا وعادانا، وسنجد -‏ ان فعلنا ذلك -‏ أن تشريعنا المستمد من أصول الإسلام عصرى يواكب هذه الحضارات التى نعيشها، ويقول المجتمع إلى بر الأمن والسلام حافظًا عليه دينه وتقاليده مشمولا برضى الله الذى رضى لنا هذا الدين وجعلنا خير أمة {‏ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }‏ آل عمران ‏110 .‏

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:27 AM
هل يجوز للمسلم أن يتتبع الرخص في المذاهب الفقهية المختلفة أم أنه لا بد من وجوب الالتزام بمذهب معين؟

الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن العامي الذي ليس أهلا للاجتهاد وليس له علم بالأحكام الشرعية يجب عليه أن يتبع قول مجتهد وأن يأخذ بفتواه، ولكن لا يلزم بالضرورة أن يتبع مذهبا معينا في جميع رخصه وعزائمه، بل له أن يأخذ في مسألة برأي مجتهد معين وفي أخرى بقول آخر، لأن اتباع مذهبا بعينه ليس واجباإذ لا واجب إلا ما أوجبه الشرع وليس في شرع الله تعالى ما يوجب ذلك، بل ذهب الجمهور إلى جواز تتبُّع رُخَص المذاهب في المسائل المختلفة؛ لأن للمُكلَّف أن يَسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بل على من يفتي أن يختار الأيسر لمن يستفتيه فالتيسير روح الشريعة قال سبحانه (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال سبحانه (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وفي الحديث (ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما).

وإليك فتوى فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق –رحمه الله- شيخ الأزهر السابق.
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن العاميَّ، وهو الذي ليس له أهلية الاجتهاد في الأحكام، وإن كان مُحصِّلًا لبعض العلوم يجب عليه اتباع قول المُجتهد، والأخْذ بفَتْواه استنادًا إلى قوله ـ تعالى ـ: (فَسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنتمْ لَا تَعْلَمُونَ).

وهي عامَّة لكل المُخاطبين الذين لم تتوافر لهم وسائل العلم بالأحكام؛ ولأن العامة في زمن الصحابة والتابعين كانوا يَستفتون المُجتهدين منهم، ويتَّبعونهم فيما بيَّنوه لهم مِن الأحكام، وكان المُجتهدون يُبادرون إلى إفتائهم والكشْف لهم عمَّا جهلوا، ولم يُنكروا عليهم استفتاءهم إيَّاهم، فكان ذلك إجماعًا على مشروعية التقليد في الفروع، غير أن العاميَّ في الاستفتاء مُقيَّد باستفتاء مَن عُرِف بالعلْم والعدالة وأهلية النظر فيما يُستفتَى فيه، احتياطًا في أمر الدين.

كما ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب على العامة التمذْهب بمذهب مجتهد مُعيَّنٍ والتزام جميع عزائمه ورُخَصِهِ، بحيث لا يجوز له الخروج عنه، بل له أن يعمل في مسألةٍ بقول مُجتهد، وفي أخرى بقول مجتهد آخر، وعلى ذلك استقر عمل المُفتينَ في كل عصر مِن زمن الصحابة ومَن بعدهم، وقد اختار ذلك مِن علماء الأصول: الآمدي، وابن الحاجب، والكمال في تحريره، والرافعي وغيره؛ لأن التزام مذهب مُعَيَّن في كل المسائل غير مُلزِم؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يُوجِب الله ولا رسوله على أحد مِن الناس أن يتمذهب بمذهب رجل مُعيَّن من الأئمة فيُقَلِّده في دينه، يأخذ كل ما قاله فيه ويَذَرُ غيره.

وقد قال ابن أمير حاج مِن علماء الأصول: "لا يَصِحُّ للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمَن له نوع نظَرٍ واستدلال وبصَر بالمذاهب على حسبه، أو لمَن قرأ كُتبًا ما في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوَى إمامه وأقواله. وأما مَن لم يتأهَّل لذلك البتَّة، بل قال: أنا حنفيٌّ؛ أو شافعي، أو غير ذلك لم يَصِر كذلك بمُجرد القول".

ومما تقدَّم يُعلم أنه لا يجب تقليد مُجتهد معيِّن، وأن التلفيق بمعنى العمل بقول مُجتهد في مسألة، وبقول آخر في أُخرى لضرورة ولغيرها في العبادات والمُعاملات جائز تخفيفًا ورحمةً بالأمة، بل ذهب الجمهور إلى جواز تتبُّع رُخَص المذاهب في المسائل المختلفة؛ لأن للمُكلَّف أن يَسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمِل بقول مُجتهد آخر في ذات المسألة التي يُريد التقليد فيها.

والخلاصة أن التقليد واجب على غير المُجتهد المُطلق؛ لضرورة العمل، وأنه لا يجب على المُقلد الْتزام مذهب مُعيَّن، وأنه يجوز له العمل بما يُخالف ما عمله على مذهبه مُقلِّدًا غير إمامه، وأن مذهب العامي فتوى مُفتيه المعروف بالعلْم والعدالة، وأن التلفيق بمعنى العمل في كل حادثة بمذهب جائز.
والله أعلم.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:28 AM
كيف هدى الإسلام العقل ؟

الشيخ عبد الحليم محمود - رحمه الله


بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:

من المعروف لدى كل منصف أن الشرع والعقل لا تعارض بينهما على الإطلاق،وأن الشرع مقدم على العقل،وأن من مقاصدالشرع الحكيم الحفاظ على العقل،والشرع هو الهادي للعقل،يقول الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله تعالى :

ولقد نزل الدين هاديًا للعقل، وقضية (الدين هادٍ للعقل) يؤمن بها كل متدين، وذلك أنه لو كان القائد في العقيدة أو التشريع هو العقل لِمَا كان من ضرورة للدين.

الدين إذًا من أمور العقائد، وفى أمور التشريع هو القائد للعقل، والله سبحانه تعالى أعلم بالصالح للإنسان، ورَسَمَه سبحانه في الوحي عقيدةً وتشريعاتٍ. ويجب على المؤمن أن يستجيب استجابة كاملة للوحي. وإذا كان الأمر كذلك فلا يتأتَّى أن يقول إنسان يزعم أنه مسلم: اجتهدوا. حينما يقال له: إن رأيك مخالف للدين. ودولة الإيمان لا تخرج عن الوحي في أحوال المسلمين الشخصية المتصلة بالدين، كالزواج والطلاق ونظام الأسرة على وجه العموم، وإلا أصبحت الأسرة تقوم على أساس محرَّم، وأصبحت العلاقات الأسرية تسير على نسق لا دينيٍّ، وهذه هي المعارضة التامة، بل هذا مناقض لوجوب تحقيق دولة الإيمان. انتهى

والخلاصة أن الشرع هدى العقل ،ويظهر ذلك من كل الأحكام التي وردت في الشرع الحكيم .

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:28 AM
هل التعبير بمثل " يقول كافة العلماء كذا " خطأ؟

الشيخ عطية صقر


قال النَّووي في شرحه لصحيح مسلم" ج13 ص 142" عند قول سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ "ما خَصَّنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشَيْءٍ لم يعُمَّ به الناس كافة إلا ما كان في قِرَاب سيفي هذا". قال النووي: هكذا تُستعمل "كافَّة" حالًا. وأمَّا ما يقع في كثير مِن كُتُب المصنِّفين من استعمالها مضافة وبالتعريف كقولهم: هذا قول كافة العلماء، ومذهب الكافة ـ فهو خطأ معْدود في لحْن العوام وتحريفِهم.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:29 AM
قد يصعب في بعض الأحيان تنفيذ حكم من الأحكام، فيفكر بعض الناس في حيلة تعفي من تنفيذ هذا الحكم دون مُؤاخذة عليه فهل الحِيل مشروعة أو ممنوعة؟

الشيخ عطية صقر


عقد البخاري في صحيحه كتابًا عن الحيل وأورد صورًا منها في العبادات وغيرها، وابن حجر في كتابه فتح الباري " ج 12 ص 342" ذكر أن الحيلة هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي.وحكم عليها بقوله: وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها ـ أي الداعي إليها ـ فإن توصل بها بطريق مُباح إلى إبطال حقٍّ أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مُستحبة، وإن توصل بها بطريق مُباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مُستحبة أو مُباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة. ثم قال: ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول: هل يصح مُطْلقًا وينفذ ظاهرًا وباطنًا، أو يبطل مطلقًا، أو يصح مع الإثم. ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة كثيرة.
فمن الأول قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) (سورة ص : 44) ـ وهو في حق أيوب حين حلف أن يضرب زوجته مائة جلدة ـ وقد عمل به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حق الضعيف الذي زنى ـ وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في السنن. ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (سورة الطلاق: 2) والحيل فيها مخارج من المضايق فتكون جائزة.
ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث "حُرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها" وحديث لُعِن المحلل والمحلل له.
والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المُعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل. ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال : تنفذ ظاهرًا لا باطنا، ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدُل عليه القرائن الحالية. وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية، لكون أبي يوسف صنَّفَ فيها كِتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق. قال صاحب المحيط: أصل الحيل قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) الآية، وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد عن الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا، بل هي إثم وعدوان.
ثم قال ابن حجر: نص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق، فقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه ـ أي لا عقوبة فيها ـ وقال كثير من مُحققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم ـ أي فيها عقوبة ـ ويأثم بقصده، ويدُل عليه قول: "وإنما لكل امرئ ما نوى" فمن نوى بعقد النكاح التحليل كان مُحللاً ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قُصد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله كان إثمًا، ثم قال: وفي الجُملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن. وقد نقل النسفي الحنفي في "الكافي" عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق.
والقرطبي في تفسيره "ج 9 ص 236" عند قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مَنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) (سورة يوسف : 76) قال في قوله: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تُخالف شريعة ولا هدمت أصلاً، خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول وحرمت التحليل. وذكر أن العلماء أجمعوا على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة. وقال: من رام أن ينقض شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم بذلك عذره عند الله، وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قُرب حلول الحوْل إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة. ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط، والله حسيبه، ولم يرتض القرطبي ـ ومذهبه مالكي ـ ما رآه الشافعية أو بعضهم من جواز الحيلة للوصول إلى المُباح واستخراج الحقوق.
هذه نُبذة عن الحيل واختلاف العلماء في جوازها ومنعها، وفي اختلافهم رحمة، وفي رأيي أن ربطها بالنية مطلوب، وما ذكره ابن حجر في ذلك جميل.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:30 AM
هل صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال " وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حَسَن" وما هو الحكم فيما يراه كثير من المسلمين الآن مما يخالف الدين؟

الشيخ عطية صقر


هذا الحديث ليس من كلام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود، أي حديث موقوف غير مرفوع، رواه أحمد في مسنده، وقال العلائي عنه: لم أجده مرفوعًا في كتب الحديث أصلاً ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو موقوف على ابن مسعود، وقد حسَّنه أحمد بن حنبل، كما أخرجه البزَّار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية، وراجع "المقاصد الحسنة" ص 367 طبعة دار الأدب العرب. وهذا الأثر استدل به جمهور العلماء على أن العُرْفَ حُجة في التشريع، ولكن بشرط عدم تعارضه مع النصوص الصريحة والأصول المُقَررة، كالتقاليد العربية القديمة التي أبطلها الإسلام. يقول السرخسي في كتابه " المبسوط ج12 ص 45" إن هذا الأصل معروف، وهو أن ما تعارفه الناس وليس في عينه نص يبطله جائز. قال العلماء: إن العُرف لا يُؤخذ به إلا بشروط، منها أن يكون مُطردًا أو غالبًا أي شائعًا بين الكثيرين، مع مُراعاة أن لكل جماعة عُرْفَهَا، ومنها ألا يكون مُخَالفًا لنص شرعي كشُرْبِ الْخَمْرِ ولَعِبِ الْمَيْسِر والتعامل بالرِّبا، ومنها أن يكون العُرف قائمًا وموجودًا عند التصرف، وليس عُرفًا باليًا قديمًا متروكًا، ومنها ألا يعارضه اتفاق أو تصريح يناقضه، كما إذا تَمَّ التعاقد بين شخصين على شيء مع سكوتهما عن العُرف القائم في مثل هذه المعاملة فإن العُرف يُطبق، فالمعروف عُرفًا كالمشروط شرطًان فإذا صرَّح المتعاقدان بما يخالف العُرف وجب الالتزام بما تعاقدا عليه؛ لأنه لا عِبرة بالدلالة له في مواجهة النص الصريح"تُراجع رسالة الدكتور أحمد فهمي أبو سِنة في هذا الموضوع".

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:30 AM
ما معنى المَصَالِح المُرْسَلَة ومَا قيمتُهَا في التشريع؟

الشيخ عطية صقر


المَصادِر الأساسيّة للتّشْريع هي القرآن والسُّنّة بالاتفاق، ثم القياس والإجماع على رأي الجمهور، وما عدا ذلك من العُرف والمصالح المرسلة والاستحسان وما إليه فيه خلاف كبير. والمصالح المرسلة هي التي لم يشهد لها أصل معين، كما قضى عمر ـ رضي الله عنه ـ على محمد بن مسلمة أن يمرَّ خليج جاره في أرضه؛ لأنه ينفع جاره ولا يضر محمدًا، فلعل الفتوى بأصل عام وهو إباحة النافع وحظر الضارِّ.
وهذا الرأي إذا تُوسِّع فيه عاد بالضرر؛ لأنه قد يؤدِّي إلى ترك كثير من السُّنَن التي لم يُحط بها الإنسان علمًا مع تفرقها في البلاد. والاستحسان ترك القياس على أصل معين، وذلك لأثر قد ورد، أو للرجوع إلى أصول عامّة، أو أصل معيّن آخر، وهو عند أهل الرأي ليس قولاً بمجرد الهوى، ويكثر استعمال المصالح المرسلة والاستحسان في المعاملات والأمور الدنيويّة وتنظيم المسائل السياسيّة والقضائيّة والحربيّة والعَلاقات الدوليّة. والمالكية لهم قسط كبير في الاعتماد على المصالح المرسلة في التشريع، ويَليهم الحنابلة كما قال ابن دقيق العيد، يقول البغدادي فى"جنة الناظر": إن الإمام مالكًا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياته وكلياته، وأن لا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها، ولكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادَمها أصل من أصول الشريعة. ومن أمثلة الحكم بهذا الأصل من فتاوى السلف وأَقْضِيَتهم قضاء الصحابة بتضمين الصناع كالخياطين والصباغين الذين يدعون سرقة ما أُعْطِيَ لهم لخياطته وصباغته ولم يقيموا بيِّنة على أنه تلف بغير سبب منهم، فيُقضى عليهم بالضمان، حتى يحتاطوا في حفظ ما عندهم، ومنها قتل الجماعة بالواحد إذا لم يُعيِّنوا القاتل، ومنها فرض الضرائب على الأغنياء إذا لم تكفِ الموارد الشرعيّة من الزكاة ونحوها للجهاد في سبيل الله. ِوإذا كان العمل بالمصالِح المرسَلة يؤدِّى إلى الاختلاف في الأحكام من بلد إلى بلد فلا مانع من ذلك، فالخلاف في مثل هذه الأمور الفرعيّة الدنيوية لا يضر ما دامت الأصول مرعيةً " انظر مقال الشيخ محمد الخضر حسين ـ مجلة الأزهر ـ المجلد الثالث ص 159".

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:31 AM
ما معنى قولهم: لا اجتهاد مع النص، وهل هذا يمنع الاجتهاد فيما يجد من الأمور في الحياة؟

الشيخ عطية صقر


هذا التعبير يُقْصد به أنَّ الإنسان إذا أراد أن يعرف حكمًا شرعيًا ينبغي أن يرجع إلى الكتاب والسنة، فإن وجد فيها الحكم اقتنع به وأراح نفسه ولا يكلفها البحث عنه في مصادر أخرى يقوم عليها كالقياس ونحوه. فالذي يريد أن يعرف وجوب الصلاة يكفيه قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (سورة البقرة)، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة…" رواه البخاري ومسلم.
والذي يُريد أن يَعرف عدد الصلوات المفروضة وعدد ركعات كلٍّ منْها فلْيَرْجع إلى سُنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيها الكثير مما يدل على ذلك. وأيُّ اجتهاد يُخالف ما نصَّ عليه القرآن والسنة فهو مرفوض. وهذا لا يمنع القول بجواز الاجتهاد في النص بمعنى أنه إذا امتنع الاجتهاد لمعرفة الحكم مع وجود النص، فإن النص نفسه يجوز فيه الاجتهاد، لا لقبوله أو رفضه، ولكن لفهمه فهمًا دقيقًا إذا كان فيه اشتباه مثلًا، إن تشريع الوضوء للصلاة جاء صريحًا في قوله تعالىLيَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (سورة المائدة:6)، فمسْح الرأس مطلوب، ولكن هل يَجب مسْح جميع الرأس أو يكفى مسح البعض؟ إن الباء التي تَعدَّى بها الأمْر بالمَسح هي التي اجْتهد فيها العلماء من أجل معرفة القدْر الممْسوح؛ وذلك لأنَّ لها عِدَّةَ معانٍ في اللغة العربية والقرآن الكريم عربي يُفسَّر عند عدم وجود النص على ضوء هذه اللغة فقال بعض الفقهاء بوُجوب مسح الرَّأْس، واكْتَفَى البَعْض بمَسْح جزْء من الرأس، وتوضيح ذلك ليس محلُّه الآن. فالخُلاصة أن الاجتهاد لمعرفة الحكم ليس له محل ما دام النص موجودًا، أما الاجتهاد في النَّص لفَهْمه فَهْما دقيقًا فيجوز على القواعد التي وضعها العلماء لذلك، وهي مذْكورة في موضوع آخر من هذه الفتاوى.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:31 AM
ما المقصود بعموم اللفظ وخصوص السبب؟


دار الإفتاء بالأزهر


خصوص السبب لغة: الخصوص نقيض العموم والسبب ما يتوصل به إلى أمر من الأمور
واصطلاحا: المراد بالسبب فى قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ليس ما يولد الفعل أو يوجب الحكم ، بل ما كان سببًا فى الجواب ، أو داعيًا إلى الخطاب بذلك القول وباعثًا عليه ، قرآنًا كان اللفظ أو حديثا. والمراد بسبب النرول فى علوم القرآن هو: ما نزلت الآيات متحدثة فيه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه
والمراد بخصوص الشىء: كونه متعينًا له وحدة تخصه فلا شركة للغير فيه والغرض فى هذا المقام الإجابة على سؤال هو: أن اللفظ العام المستقل بنفسه إذا ورد من أجل سبب خاص هل يعم ، أو يقتصر به على سببه؟ ويرى الجمهور أن العبرة بعموم اللفظ مثل قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}هود:114. فهذا حكم عام نزل على سبب خاص ، وهو قصة الأنصارى الذى قبل امرأة أجنبية عنه ،فاللفظ يتناوله ويتناول كل مثيل له ، لأنه باق على عمومه وهذا هو الراجح .
وغير الجمهور يرى أن العبرة بخصوص السبب ، فاللفظ عام أريد به الخصوص ، فلا يتناول بحكمه إلا صورة السبب ، أما مثيلها فحكمه نفس الحكم لكن من دليل آخر من قياس أو غيره .
وعلى الرأيين لم يختلف حكم المثيل عن حكم الصورة، بل أجمعت الأمة على أن الحكم فيهما واحد.

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:32 AM
إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلَم الكافر من الإثم؛ لأن الجمعة غير واجبة عليه؟

مجموعة من المفتين


بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

اختلف العلماء في حكم تكليف الكافر بفروع الشريعة، هل هو مخاطب بفروع الشريعة من صيام وزكاة فيعاقب على تركها علاوة على عقاب الكفر، أم يكتفى بعقاب الكفر؟ وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه مخاطب بفروع الشريعة فيجمع عليه بين عقاب الكفر وبين عقاب ترك الفرائض من صلاة وغيرها، وعليه فيعاقب على ترك الجمعة، وذهب آخرون إلى أنه لا يعاقب إلا على الكفر وحده، وفي العذاب به غنى وكفاية. وقد اتفق الجميع على أنه لا تقبل منه الطاعة إلا إذا أسلم.

يقول الشيخ ابن العثيمين- رحمه الله- :-
لا يسلَم الكافر من الإثم على تركه صلاة الجمعة ؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام، كما هو مخاطب بأصوله، والدليل على ذلك :-

قوله تعالى: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنِ الْمُجْرِمِينَ(41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47) [المدثر] ، ووجه الدلالة من الآية: أنهم ذكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، ولا من المطعمين للمسكين، بل أقول: إن الكافر معاقب على أكله وشربه ولباسه، لكنه ليس حراماً عليه بحيث يمنع منه إنما هو معاقب عليه.

ودليل ذلك قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } [المائدة: 93] ، فقوله: {)لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ } يدل بمفهومه على أن غيرهم عليهم جناح فيما طعموا، والطعام يشمل الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: {) فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي )(البقرة: من الآية249) .

ودليل اللباس قوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(لأعراف: من الآية32) ، فقوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(لأعراف: من الآية32) } يفهم منه أنها ليست للذين كفروا، وقوله: { خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها.

والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة، وكل شيء؛ وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بالمعصية وهو يحسن إليك، فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تستحق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل. انتهى كلام الشيخ.

وقال الشيخ العراقي- في طرح التثريب- أثناء تعليقه على ما رواه البخاري ومسلم من قوله صلى الله عليه وسلم : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقه إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )

فيه أن هذا الوعيد في حق المسلمين والكفار فإن الذي يرى سبيله إلى الجنة هو المسلم وأما الذي يرى سبيله إلى النار فيحتمل أن يكون على سبيل التأبيد فيها فهو الكافر ويحتمل أن يكون على سبيل التعذيب والتمحيص ثم دخول الجنة وهو المسلم وفي دخول المسلم في هذا الوعيد الرد على المرجئة الذين يقولون : إنه لا يضر مع الإسلام معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

والكتاب والسنة مشحونان بما يخالف قولهم، واعتذروا عن ذلك بأن المراد به التخويف لينزجر الناس عن المعصية وليس على حقيقته وظاهره وهو باطل , ولو صح قولهم لارتفع الوثوق عما جاءت به الشرائع واحتمل في كل منها ذلك , وهذا يؤدي إلى هدم الشرائع وسقوط فائدتها وفي دخول الكافر في هذا الوعيد دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وبه قال أصحابنا- الشافعية- خلافا للمعتزلة والحنفية , وقد يجيبون عن هذا بأن المراد دخوله النار على سبيل التعذيب لا على سبيل التخليد وليس في اللفظ ما يدل على ذلك.

والله أعلم .

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:33 AM
من المعروف أن التشريع في الإسلام يستنبط من أربعة مصادر وهي الكتاب وسنة الرسول وإجماع الأمة والاجتهاد، فما رأيكم فيمن ينكر إجماع العلماء على حكم معين باعتبارهم بشرا قد يصيبون أو يخطئون ؟

مجموعة من المفتين


بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:
فقد فرق العلماء بين الإجماع في الأمور القطعية ،والمعلومة من الدين بالضرورة، وبين غيرها ، فمنكر الأولى كافر ، ومنكر الثانية غير كافر على الراجح.
يقول الأستاذ الدكتور علي جمعة أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر:
اتفق المسلمون على وقوع الإجماع ، وعلم المجتهدين به ، وصحة نقله للأمة في مساحة ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، ويسيمه الشافعي: إجماع العامة ، وذلك كإجماعهم على وجوب الصلاة والزكاة والحج وصيام رمضان {وليس شوالاً ولا محرماً مثلاً} ، وأن الوضوء شرط للصلاة ، وأنه قبلها {وليس بعدها كما يمكن أن يوصل إليه التحليل اللغوي للآية}.، وأن البيع حلال ، والزواج حلال ، وأن هناك أحكاماً للإيلاء ، والظهار ، والطلاق ، والقصاص ، والحدود ، وغير ذلك من مستويات الإجماع ، حتى يصل إلى أن الطواف إنما هو بجبل البيت عن يسار الطائف ، وأن البدء يكون بالصفا ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مدفون في المدينة ، وأن القبلة هي الكعبة ، وأن السرقة والزنا والربا والقتل العدوان والخمر والخِنزير والميتة حرام .
إلى غير ذلك من كل أمر يكفر جاحده ، أو المتردد في ثبوته ، حتى لو كان مستند الإجماع ظنياً في ثبوته أو في دلالته فإن الإجماع لا ينفي ظنيّه ثبوت الدليل ، ويصبح الدليل بعده قطعياً ، ولا يمكن العذر في ذلك إلا لمَن كان حديث عهد بإسلام ، أو نشأ في شاهقة جبل بعيداً عن المسلمين ، وعلى الجملة فإنه يكفر إذا أصر على الإنكار بعد تعليمه وتبليغه بصورة لافتة لنظره مزيلة لشبهته .
أما إجماع الخاصة - وهم المجتهدون - فقد وقع النزاع في إمكانه ، ثم في صحته ، ثم نوعه المقبول ، إجماع الصحابة أو إجماع أهل البيت أو إجماع المصريين أو الحرمين ، إلى غير ذلك ، وهذا الإجماع نقول بحجته ، وأنه واقع ومنقول ، وله أحكامه ، لكن يكثر النزاع في دعواه ؛ حتى قال الإمام أحمد: (مَن ادعى الإجماع فقد كذب)! ، وعلى ذلك فهو متردد بين الثابت والمتغير تبعاً للناظر فيه ، فإن صدق بأنه إجماع جعله من الثابت ، وإن أنكر جعله من المتغير. أ.هـ

و يقول مسعود صبري الباحث الشرعي بكلية دار العلوم:
الإجماع من الأدلة التشريعية المعتبرة ، ولا يجوز إنكار الإجماع جملة ، غير أنه لابد من معرفة المسائل التي حدث فيها إجماع ،لأن هناك مسائل كثيرة ادعي فيها الإجماع، ولم يكن فيها .
وللحكم على منكر الإجماع لابد من التفريق بين ما أجمعت الأمة عليه ، وكان أصله الكتاب والسنة ،وأصبحت أحكامه قطعية ، فهذا يكفر منكره ، لأن في إنكاره إنكارا للمعلوم من الدين بالضرورة ، أما ما كان اجتهادا خالصا ، فلا يمكن الحكم عليه بالكفر ، لأن الإجماع في غير القطعيات،- أو ما يمكن أن يطلق عليه الإجماع الاجتهادي - جهد بشري مقدر وله شأنه ، ولكن لا يمكن الحكم على منكره بالكفر، ولئن كان إنكار أحاديث الآحاد وغيرها مما لم يصل إلى حد التواتر لا يعتبر إنكاره كفرا ، فإن القول بكفر منكر الإجماع في الأحكام القطعية يعد نوعا من التشدد الذي ليس عليه دليل.
ومما يؤكد عدم القول بعدم كفر منكر الإجماع غير القطعي أن العلماء مختلفون في نقض الإجماع بإجماع غيره ، وأن الإجماع يراعى فيه ظروف العصر ، فإن تغيرت ، جاز للمجتهدين من الأمة النظر في إجماع آخر، على رأي من يرى جواز نقض الإجماع بإجماع آخر.
ولا يعني هذا التقليل من شأن الإجماع ، فإنكاره لا يجوز ،غير أن القول بكفر منكر الإجماع الاجتهادي يحتاج إلى إعادة نظر.
قال الإمام ابن دقيق العيد من علماء الشافعية :
لا يكفر أحد من أهل القبلة , إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها , فإنه حينئذ يكون مكذبا للشرع , وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير وإنما مأخذه مخالفة القواعد السمعية القطعية طريقا ودلالة . وعبر بعض أصحاب الأصول عن هذا بما معناه : إن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر , كمن أنكر الإجماع , ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر ; لأنه مكذب .أ.هـ
وقد فصل الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي مسألة تكفير منكر الإجماع ،فقال :
من أنكر الإجماع , هل يكفر ؟ وهو قسمان .
أحدهما : إنكار كون الإجماع حجة فينظر إن أنكر حجية الإجماع السكوتي , أو الإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره , ونحو ذلك من الإجماعات التي اعتبر العلماء المعتبرون في انتهاضها حجة , فلا خلاف أنه لا يكفر , ولا يبدع , وإن أنكر أصل الإجماع , وأنه لا يحتج به , فالقول في تكفيره , كالقول في تكفير أهل البدع والأهواء .
والثاني : أن ينكر حكم الإجماع , فيقول مثلا : ليست الصلاة واجبة , وليس لبنت الابن مع الأم السدس فله أحوال . أحدها : بأن يكون قد بلغه الإجماع في ذلك وأنكره , ولج فيه , فإن كانت معرفته ظاهرة كالصلاة كفر , أو خفية كمسألة البنت ففيه تردد . ثانيها : أن ينكر وقوع الإجماع بعد أن يبلغه , فيقول : لم يقع , ولو وقع لقلت به , فإن كان المخبر عن وقوعه الخاصة دون العامة , كمسألة البنت , فلا يكفر على الأظهر , وإن كان المخبر الخاصة والعامة كالصلاة كفر . وثالثها : أن لا يبلغه فيعذر في الخفي دون الجلي , إن لم يكن قريب العهد بالإسلام . انتهى
وصرح في مكان أخر أنه لا يكفر منكر حكم الإجماع الخفي كتوريث بنت الابن مع البنت , السدس. أهـ
و جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية :
يكفر منكر حكم الإجماع القطعي ‏,‏ وفصل بعض الأصوليين بين ما كان من ضروريات دين الإسلام ‏,‏ وهو ما يعرفه الخواص والعوام ‏,‏ من غير قبول للتشكيك ‏,‏ كوجوب الصلاة والصوم ‏,‏ وحرمة الزنا والخمر ‏,‏ فيكفر منكره ‏,‏ وبين ما سوى ذلك ‏,‏ فلا يكفر منكره ‏,‏ كالإجماع على بعض دقائق علم المواريث التي قد تخفى على العوام ‏.‏ ‏

‏وفرق فخر الإسلام بين الإجماع القطعي من إجماع الصحابة نصا ‏,‏ كإجماعهم على قتال مانعي الزكاة ‏,‏ أو مع سكوت بعضهم ‏,‏ فيكفر منكره ‏,‏ وبين إجماع غيرهم فيضلل ‏.‏ ‏
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:33 AM
ما حكم التلفيق وتتبُّع الرُّخَص؟ حبّذا لو تعطونا مثالاً على كلٍّ منهما؟

أ.د وهبة الزحيلي علامة سوريا


:بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
اختلف الفقهاء في الأخذ برخص المذاهب والتلفيق بين الآراء ،والتحقيق أن التلفيق بين الآراء جائز إن كان لمصلحة مرجوة أو لحاجة ماسة ، ولم يكن القصد منه هدم شيء في الشريعة ،أو التساهل في الأخذ بالأحكام ، أو ينقص حكم حاكم في المسألة ، أو يكون عامدا في تتبع الرخص .
يقول الدكتور وهبة الزحيلي أستاذ الشريعة بالجامعات السورية :

السائد بين الناس وفي المذاهب أن التلفيق لايصح، ولكن التحقيق لدى العلماء أنه يجوز عند الضرورة أو الحاجة بشرط:
1- ألا يؤدِّي إلى ما هو باطل إجماعاً.
2- وألاّ يؤدِّي إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحِكْمتها.
3- وألا يشتمل على تتبُّع الرخص عَمْداً.
4- وألا يكون بعد العمل بمذهبٍ معيَّن.
5- وألاّ يؤدي إلى نقض حكم الحاكم الذي قضى في المسألة.
والتلفيق هو الإتيان بكيفية لايقول بها كلُّ إمام إذا عُرض عليه الوضعُ الحاصل، كمن توضأ ولم يمسح إلا بعض رأسه تقليداً للشافعي، ثم خرج منه دم وسال ولمس امرأتَه، فهذا الوضوء على الحالة التي صار إليها المتوضئ، هل تصح الصلاة به أو لا؟ إذا عُرض ذلك على الإمام الشافعيَّ فلا يُقِرُّه بسبب لمس المرأة، وإذا عُرض على الإمام أبي حنيفة فلا يُجيزه بسبب خروج الدم وكوْنِ المسح على أقل من رُبْع الرأس، وكذلك لو عُرض على الإمامين مالكٍ وأحمدَ فلا يُقرّانه، لأنه يُشترط عندهما مسحُ جميع الرأس.
والواقع أنه يجوز أداء الصلاة بهذا الوضوء عند الضرورة أو الحاجة. وهي عامّة وكثيرةُ الوقوع في الحياة بسبب الانهماك في الأشغال، لأن المصلي يقلِّد كلَّ إمام فيما لايقول به الآخر. ومجموع المسألة لم يَقُلْ أحد بالنظر إليها، وإنما التقليد في المسألتين أمر منفصل، كلٌ منهما عن الأخرى، والعبادات مبنيّة على التسامح.
أما إن أدّى التلفيق إلى هدم دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحكمتها فهو حرام وباطل، كمن تزوج امرأة بلا وليٍّ ولا شهود، مقلِّداً أبا حنيفة في عدم اشتراط الولاية، ومقلِّداً الإمام مالكاً في عدم اشتراط الشهادة بذاتها، ويكفي إعلان الزواج، وإن كان الراجح في المذهب المالكي أنه لابد من الشهادة. ولو بعد العقد، لجواز المعاشرة، فهذا الزواج باطل كالزنا تماماً، لأن الأصل في الأبْضَاع (أي الفروج) التحريم.

ومن طلّق امرأته بلفظ ((البتة)) وكان حين الطلاق يرى أن هذا التعبير فسخ الزواج وليس طلاقاً بالثلاث، فله العَوْدة إلى الحياة الزوجية، لعدم تصوُّرِه وقوع الطلاق. أما إن كان يرى كوْنَ ذلك طلاقاً بائناً بينونة كبرى فلا يحل له العودة إليها.

وإذا كان القصد من التلفيق مجرّدَ العَبَث، وبقصد تتبُّع رُخَص المذاهب، والعمل بأيسرها وأسهلها لديه، بحيث يؤدِّي ذلك إلى التحلُّل من الأحكام الشرعية، فلايجوز التلفيق، كمن يتحايل على إخراج الزكاة قُبَيْل نهاية الحَوْل الزَّكَوِي لديه بهبة ماله لشخص ثم استرداده: فهذا حرام لايجوز بحال لأنه يؤدي للتخلُّص من الفريضة وإن قلّد في ذلك مذهب الحنفيّة، ومن تَتَبَّع الرخص في عقد زواج التحليل للبائن بينونة كبرى على صبيٍّ دون البلوغ مقلَّداً مذهب الشافعية من غير شروطهم لم يصح.
وكذلك إن كان قصدُه مجرّدَ العبث واللهو لا لضرورة ولا لحاجة فلا يجوز.
ولا يجوز التلفيقُ أو تتبّعُ الرخص المذهبية بعد أن يفصل الحاكم في الموضوع، لأن حكمه يرفع الخلاف.
وكذلك إن عَمِل المقلد أو طبَّقَ المذهب في حادثة فلا يجوز أن يَعْدِلَ بعد العمل للأخذ بمذهب آخر، عملاً بمبدأ استقرار الأحكام. أما قبل العمل بمذهب، فلامانع من الأخذ بغيره في جزئية، وإن ظل على العمل بمذهبه في المسائل الأخرى.
والله أعلم

أحمد سعد الدين
5th March 2006, 08:34 AM
ما قولكم في تضارب الفتوى ،حيث نسمع على الفضائيات أقوالا مختلفة متضاربة ،فماذا نفعل وما تعليقكم ؟

أ.د وهبة الزحيلي علامة سوريا


بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

لابد من التفرقة بين تضارب الفتوى وبين الاختلاف المبني على الاجتهاد المعتبر ، فلا يتصدى للإفتاء إلا من كان أهلا له ،وألا تميل الفتوى للتفريط أو الإفراط ،مع استيعاب ملابسات المسألة للوقوف على فتوى لها .
وهذا غير الاختلاف المحمود الذي ينشأ عنه تيسير للعباد في كثير من الجزئيات الفقهية.

يقول الدكتور وهبة الزحيلي أستاذ الشريعة بالجامعات السورية :


لقد تألمت كثيراً وأتألم حينما أسمع بعض الفتاوى غير الدقيقة في محطات الإذاعات الفضائية في البلاد العربية، فكثير من تلك الفتاوى إما فيه تساهل وتفريط، وإما صادر عن جهل وعدم دقة، وإما فيه نقص في استيعاب السؤال والعجلة في إصدار الحكم.
وهذا منشأ كثير من التعارض بين المسلمين. أما إن كانت الفتوى منضبطة وفيها شمول وتأنّ ودقة، ومحكمة ببيان الضوابط والشروط لكل مسألة، فإن هوَّة الخلاف تكون ضيقة جداً.
وإذا توافرت الضوابط وصحت الفتوى ووقع الخلاف، فلا ضرر ما دام الخلاف في جزئيات تدل على سماحة الشريعة وتيسيرها.
والطريق لتجنب إلقاء الفتاوى من بعض الأفراد غير المؤهلين على النحو التام، أو لتفادي الخلافات والتشتيت هو التزام مقاصد الشريعة الإسلامية المطهرة، واحترام النص الوارد في الكتاب والسنة، والعمل على الأخذ بالدليل الأقوى، ويكون العمل برأي الأكثر أو الجمهور أسلم، والبعد عن التعصب المذهبي لرأي مذهب واحد هو الألزم.
ومع كل هذا إن صحت الفتوى: فمن قلَّد عالماً لقي الله سالماً إن شاء الله، لرفع الحرج عنا في معرفة الصواب الموافق لمراد الله في الأحكام.

والسبيل لمعالجة تضارب الفتوى وهو العمل بالاجتهاد الجماعي، وبما يصدر عن المجامع الفقهية، وبالحرص على خشية الله تعالى، وتجنب الشبهات، ومراعاة الخلاف بقدر الإمكان، فينشأ رأي واحد، ويبتعد الناس عن التشويش .

والله أعلم

fgsh
5th March 2006, 12:48 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خيرا وبارك فيك